السبت، 22 نوفمبر 2008

أقدم صورة لمختار أثناء دراسته بمدرسة الفنون
بالقاهرة
في خلفية الصورة تمثاله المفقود لخولة بنت الأزور

الجمعة، 30 نوفمبر 2007


الزعيم والطاغية
عندما توفي الزعيم سعد زغلول في 23 أغسطس سنة 1927 شيعته جماهير الشعب المصري في جنازة مهيبة شارك فيها عشرات الآلاف من المصريين، وبعد أن انتهت مراسم الحداد الرسمي والحزن الشعبي الذي فاق الوصف، بدأ التفكير في خطوات تخليد ذكرى زعيم الأمة، وكانت الوزارة التي تتولى الحكم وزارة ائتلافية يؤيدها الوفد المصري.
وكان من القرارات التي اتخذتها الحكومة لتخليد ذكرى سعد شراء بيته واعتباره من الأملاك العامة لصيانة آثار سعد الباقية فيه، وتشييد ضريح يليق بالزعيم، ينقل إليه جثمانه بعد الانتهاء من تشييده، على أن يستلهم تصميمه من خطوط العمارة المصرية القديمة، وتقرر أن يشيد الضريح في أرض خالية بالقرب من بيت سعد الذي عرف باسم "بيت الأمة" منذ بدأ الرجل يقود حركة الشعب المصري نحو الاستقلال أواخر عام 1918.
كما قررت الحكومة كذلك إقامة تمثالين للزعيم واحد في القاهرة والثاني في الإسكندرية، واستدعت الحكومة المثال مختار من باريس لتكلفه بإقامة التمثالين، كان مختار وقتها أبرز نحات مصري، وكانت له قصة طويلة مع الثورة المصرية، ثورة 1919 منذ عبر عنها بتمثاله الرائع نهضة مصر الذي التف حوله الشعب بكل طبقاته، وتحمس مختار للفكرة ولبى الدعوة واعتبر المهمة عملا قوميا يتيح له تسجيل حياة الشعب المصري وكفاحه ومثله السياسية التي كان يناضل من أجله من خلال تمثالي الزعيم، وكانت فكرة التمثالين حاضرة في ذهن مختار، فهو القائل: "إن في وجدان كل مصري ولو لم يكن فنانا تمثالا لسعد زغلول".
وتقرر أن يقام تمثال القاهرة في ميدان قصر النيل بينما يقام تمثال الإسكندرية في محطة الرمل، وأراد مختار أن يكون عمله صرحا كبيرا يرتفع إلى عنان السماء ليرفع زعيم الأمة إلى المكانة التي يستحقها.
وتعاقدت الحكومة مع مختار وتقرر في العقد أن يعهد إلى الفنان بالتنفيذ الكامل، وأن تكون الحكومة طرفا في التعاقد معه، تلتزم بما تقضي به أحكام العقد دون تدخل في عمل المثال، أو في الجوانب الفنية.
وكان من الممكن أن تسير الأمور في مسارها الطبيعي ويشيد الضريح وينقل إليه جثمان سعد، ويرتفع التمثالان في القاهرة والإسكندرية، خاصة أن مختار كان يطمح في إنهاء العمل خلال عام واحد فقط. لكن الملك فؤاد كان يعتبر سعدا حتى بعد وفاته خصما لدودا له، كما كان للزعيم خصومه السياسيون من بين الساسة ورجال الأحزاب الموالين للسرايا والإنجليز. ولم ينس خصوم سعد للرجل مواقفه خاصة في سنواته الأخيرة، وقيادته لثورة الشعب عام 1919، ودفاعه المجيد عن إقامة حياة دستورية سليمة، لقد كانت القوى الرجعية تتحين كل فرصة للانقضاض على المكاسب الديمقراطية التي حققتها ثورة 1919، وتحرص دائما على حصار الحريات العامة التي اكتسبها الشعب بكفاحه، وتسعى إلى تحطيم رموز الحرية الفكرية.
وعندما وقع الانقلاب الدستوري في عام 1930، وجاءت إلى الحكم وزارة إسماعيل صدقي باشا الموالية للسراي والمعادية للشعب توالت الاعتداءات على الدستور وعلى حرية الفكر والتعبير في البلاد، فألغي دستور 1923 ليحل محله دستور 1930 الذي زاد من سلطات الملك على حساب سلطات البرلمان المنتخب وعلى حساب حقوق الشعب، وتعرض كثير من المفكرين لعدوان السلطة، فسجن العقاد بتهمة العيب في الذات الملكية، وأبعد طه حسين عن الجامعة، فاستقال أحمد لطفي السيد من منصبه كمدير للجامعة المصرية، وفصل حافظ إبراهيم من دار الكتب المصرية، أما مختار فكان نصيبه من الهجمة الرجعية عرقلة العمل في مشروع تمثالي سعد زغلول بالقاهرة والإسكندرية، وكان الهدف من العرقلة مزدوجا سعد ومختار في آن واحد، فهناك "تار بايت بين الملك ومختار" منذ اختار الفلاحة رمزا يعبر به عن مصر، ومنذ نحت تماثيل شخصية لرجل العصر الذين شيدوا دعائم الحرية من أمثال عدلي يكن وعبد الخالق ثروت وسعد زغلول، ولم يعرض أن ينحت تمثالا للملك فؤاد، وعندما طلب منه ذلك وبدأ في نحت التمثال مرغما، توقف عن العمل فيه بمجرد أن أبدى فؤاد ملاحظات فنيه على العمل، ولم يتبق منه سوى صورة فوتوغرافية للتمثال في مرحلة الإعداد الأولي، وبدلا من ذلك نحت تمثالا كاريكاتيريا ساخرا من الملك، وقام بعض أصدقائه المقربين من السرايا بتحطيم التمثال حماية لمختار وخوفا عليه عندما علموا بأن خبره تسرب إلى الملك.
أما سعد فلم تكتف الحكومة بعرقلة العمل في تمثاليه، بل استولت على ضريحه ونقلت إليه مومياوت الفراعنة بحجة عدم ملائمة عرضها على الجمهور، لتشغل المكان وتوقف إجراءات نقل الجثمان.

الاثنين، 8 أكتوبر 2007

الفنان والزعيم
تمثال مجهول للزعيم سعد زغلول
عماد بدر الدين أبو غازي

يعرف الناس علاقة المثال محمود مختار بسعد زغلول، أن مختار هو مبدع تمثالى الميدان للزعيم فى القاهرة والإسكندرية، وهما التمثالان اللذان شيدهما مختار بطلب من الحكومة المصرية فى إطار حملة تخليد ذكرى سعد، بعد رحيله فى 23 أغسطس 1927، وكانا إسهاما من مختار فى الاحتفاء بذكرى الزعيم، ومختار هو القائل " إن فى وجدان كل مصرى ـ ولو لم يكن فنانا ـ تمثالا لسعد زغلول[1]".
من خلال تمثالى سعد بالقاهرة والإسكندرية سجل مختار مجموعة من القيم والمفاهيم السياسية والوطنية، فلم يكن التمثالان مجرد تجسيد لشكل الزعيم وملامحه الشخصية، ولم يكونا مجرد تمثالى ميدان كغيرهما من التماثيل التى جمّلت ميادين القاهرة منذ القرن 19. لقد كانت المرة الأولى التى يحول فيها فنان مصرى تمثال الميدان الشخصى إلى ملحمة تٌعبر عن ثورة شعب وطموحاته وأهدافه وآمانيه القومية، فقاعدة تمثال الإسكندرية قامت على مشاهد تسجيلية لأحداث ثورة 1919، ورمزين مجسمين للوجهين البحرى والقبلى. وحين صور مختار العدالة والدستور والإستقلال على قاعدة تمثال القاهرة كان يسجل أهدافا يسعى الشعب المصرى إلى تحقيقها من خلال نضاله الوطنى وحين صور أصحاب الحرف ومشاهد العمل فى الريف وعلى صفحة النهر كان يخلد أبناء هذا الشعب الذين ثاروا سنة 1919 فى نحت جدارى ميدانى لأول مرة.
لقد كان بناء قاعدة تمثال سعد الجرانيتية فى القاهرة تشكيلا متكاملا مع تمثال الزعيم الذى يعلوها، إنها ليست مجرد قاعدة ترفع التمثال ولكنها تحمل إشارة واضحة إلى أن القاعدة بما فيها من بشر وقيم وأهداف هى التى رفعت الزعيم وحملته ليحتل مكانه البارز فى وجدان وتاريخ الأمة.
كذلك يشاهد زوار متحف مختار بالجزيرة تمثالا نصفيا لسعد وتمثالا آخر لرأس سعد ـ مأخوذا عن تمثال سعد الميدانى بالقاهرة ـ وهو واحد من أروع أعمال مختار فى فن التمثال الشخصى
[2].
وإذا كانت ثورة 1919 التى فجرها نفى سعد وصحبه هى البداية تفجر مختار وانطلاقه الفنى فى طريق إرساء ملامح مدرسة مصرية حديثة فى فن النحت، فقد كانت الثورة بداية لمرحلة جديدة فى حياة مصر الفكرية والفنية مثلما كانت بداية مرحلة جديدة فى حياتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية. وإذا كان مختار هو واحد من مشيدى أروع الرموز الفنية لتخليد ثورة 1919 وزعيمها، فإن ما لا يعرفه الناس عن علاقة الفنان بالزعيم، هو أن هذه العلاقة لم تسر دائما فى إتجاه التأييد والتمجيد من الفنان للزعيم بل مرت بمرحلة من الجفوة والمعارضة.
فى سياق الثورة كان لقاء مختار الأول بالوفد المصرى وزعيمه سعد، فعندما كان مختار فى باريس أشترك فى حركة الطلاب المصريين فى دعم الوفد المصرى فى مفاوضات السلام
[3]، وهناك كان إسهامه الأساسى فى التعبير الفنى عن الثورة من خلال النموذج الأول لتمثال النهضة الذى عرضه فى صالون باريس 1920. وأرسل سعد خطابا لمختار فى 6 مايو 1920 يشيد بالتمثال قال فيه:
"حضرة المصور الماهر مختار.
شاهدت المثّال الذى رمزت به لنهضة مصر فوجدته أبلغ رمز للحقيقة وأنهض حجة على صحتها فأهنيك على هذا الخيال الواسع وهذا الذوق السليم وهذا الفن الساحر وأهنئ مصر بأنك من أبنائها العاملين على إعادة مجدها وأرجو الله أن يعين هذه النهضة حتى تبلغ كمالها فتشفع مثال النهضة بمثال الإستقلال والسلام."
سعد زغلول
باريس 6 مايو سنة 1920


بطل النهضة
ويتحمس بعض أعضاء الوفد للتمثال وتبدأ الدعوة فى جريدة الأخبار لأكتتاب شعبى لإقامة التمثال فى مصر..( ويعود مختار إلى مصر بطلا من أبطال نهضتها.. فتمثاله رمز للنهضة وعلامة من علامات الثورة والبعث فهو أول أثر فنى يقيمه مصرى.. ويقيمه فى عهد " السلاطين " ولكنه لا يرمز للنهضة بالحاكم وإنما يرمز لها بالشعب ويجعل الفلاحة فى الميدان العام رمزا لمصر"
[4] وبدأ العمل فى التمثال إعتمادا على التبرعات الشعبية وعلى الدعم الحكومى الذى قدمته وزارة عبد الخالق ثروت ومقداره 3000 جنيه وعقب صدور دستور 23 وتشكيل أول برلمان وطنى أنبرى ويصا واصف للدفاع عن التمثال وضرورة توفير الإعتمادات الكافيه لإنجازه واستجاب سعد زغلول وكان على رأس الوزارة لهذه الدعوة إذ رأى أن حكومة النهضة يجب أن تتكفل بتمثالها[5].
وفى هذه المرحلة التى أعقبت قيام الحكم البرلمانى وما شهدته من صراعات سياسية وفكرية وانشقاقات خرجت عن الوفد المصرى، تعارضت نظرة مختار إلى سعد رئيس الحكومة ورئيس البرلمان والسياسى الذى يصارع على الساحة السياسية فى الداخل مع نظرته لسعد زعيم الأمة وقائد الثورة، ووقف مختار فى كثير من الأحيان فى مواجهة مع سعد ومواقفه وقدم من خلال مجلة " الكشكول " مجموعة من الرسوم الكاريكاتورية عرفت باسم " الزغلوليات " أنتقد فيها بعض مواقف سعد وسخر منها، كما قدم كذلك رسوما كاريكاتورية ساخرة فى " السياسة الأسبوعية " ، ومن اللافت للنظر أن كثيرا من الأدباء والمفكرين ذوى الميول الليبرالية والديمقراطية قد أنحازوا فى هذه الفترة إلى جانب حزب الأحرار الدستوريين أو التفوا حول جريدته الأسبوعية التى كانت فى تلك المرحلة من العشرينات أحد أهم المنابر الثقافية فى مصر. وربما يرجع ذلك إلى أن حزب الأحرار كان منحازا بالكامل إلى جانب حرية الفكر فى بعض القضايا التى أثيرت فى تلك الفترة، بينما كان الوفد متحفظا إلى حد ما ومتبنيا لمواقف أقل حسما، مثلما حدث عند إثارة قضيتى " السلام وأصول الحكم" و " الشعر الجاهلى".
كذلك كان موقف سعد من معارضيه وموقفهم الحاد منهم مجالا لإنتقاد مختار له.
ولم تقتصر إنتقادات مختار لسعد على الرسوم الكاريكاتورية، فقد نحت تمثالا لسعد يعد من أعمال النحت الكاريكاتورى النادر مثل فيه سعدا مرتديا ملابس فقراء الهنود وجالسا فى جلسة التأمل فى اليوجا ومرتديا فى نفس الوقت ياقة منشاة ورابطة عنق ( بابيون) فى إشارة إلى التعارض بين المواقف والأقوال، مع تضخيم الأذنين بشكل مبالغ فيه تلميحا إلى أن سعد يستمع إلى الوشايات التى تنقل إليه لقد حاول مختار أن يلخص فى هذا التمثال الساخر رأيه الناقد لسعد فى مرحلة من مراحل حياته السياسة.
وقد ظل هذا التمثال مجهولا لعشرات السنين إلى أن كشف عنه فى محاضرة ألقيت بمتحف مختار أثناء الإحتفال بالعيد المئوى لميلاد مختار
[6]، ولا يزال التمثال فى حوزة أسرة مختار إلى الآن[7] والتمثال قد صب فى الجبس ويمثل مع مجموعة آخرى من التماثيل الساخرة أحد جوانب فن مختار. التى لم يلق عليها الضوء الكافى بعد ومن هذه التماثيل الساخرة تمثالا صديقى مختار حسين رجب ومحمد شفيق، ولعل أشهرها تمثال ابن البلد، والذى يرجع إلى مرحلة دراسة مختار فى مدرسة الفنون بالقاهرة.
وقد أثارت رسوم مختار وانتقاداته حفيظة سعد عليه وأدت إلى قطيعة بينهما دامت سنوات إلى أن التقيا مصادفة فى فندق ميناهاوس وتصافيا وتصالحا، ثم قام بعدها سعد بزيارته الشهيرة لموقع العمل فى تمثال النهضة بصحبة جماعة من الساسة والأدباء والصحفيين، وقد أحتفى مختار بسعد إحتفاء بالغا فى تلك الزيارة التى كانت من أيام الوداع فى حياة سعد فلم يمهل القدر مختارا حتى يحظى بمشاركة سعد فى حفل إزاحة الستار عن تمثال النهضة بسبب مماطلات الحكومة التى أجلت الحفل لشهور طوال كان سعد قد فارق الحياة.
لقد إنقضت بذهاب سعد تفاصيل الخلافات العابرة والإنتقادات الساخرة ولم يبق إلا الرمز الذى خلفه كزعيم للأمة واستوحاه مختار فى تمثاليه الميدانيين لسعد، هذان التمثالان اللذان تسببا فيما لاقاه مختار من عنت وإضطهاد فى سنواته الأخيرة ورحل قبل أن يراهما قائمين فى مكانيهما
[8]، مثلما رحل سيد درويش قبل أن يستمع إلى الجماهير وهى تنشد لحنه فى إستقبال سعد عند عودته من منفاه فى المرة الثانية.
مصرنا وطنا سعدها أملنا
كلنا جميعا للوطن ضحية
[1] بدر الدين أبو غازى: المثال مختار ، الدار القومية للطباعة والنشر، 1964، ص 59.
[2] حول تماثيل مختار عن سعد أنظر: بدر الدين أبو غازى: مختار حياته وفنه، مطبعة مصر، 1949، ص 82 ـ 88 وص 121ـ 124. والمثال مختار، ص 22ـ 24. أنظر كذلك رأى العقاد الناقد للتمثالين فى:
عباس محمود العقاد: سعد زغلول سيرة وتحية مطبعة حجازى، 1936 ص 619ـ 620.
[3] داود عزيز: مختار رائدا ( مجلة الطليعة، مارس 1969) ، ص 64.
[4] المثال مختار، ص 18.
[5] مختار حياته وفنه، ص 41ـ 42.
[6] عماد أبو غازى مختار وسعد زغلول ، محاضرة ألقيت فى متحف مختار يوم 5 أغسطس 1991.
[7] رأت أسرة مختار أنه من غير المناسب الكشف عن التمثال وعرضه فى وقت كان هناك قدر كبير من الغبن يحيط بثورة 1919 وزعمائها، ومع تغير الظروف أصبح من الضرورى الكشف عن التمثال وعرضه على الناس.
[8] المثال مختار، ص 59 ـ 65.

الأربعاء، 26 سبتمبر 2007


تمثال
نهضة
مصر
في
موقعه
القديم
أثناء
رفعه
على
قاعدته

الاثنين، 20 أغسطس 2007



علي اليسار
رياح الخماسين
على اليمين
مختار
ينحت
تمثال الوجه القبلي
قاعدة سعد زغلول
الإسكندرية

السبت، 4 أغسطس 2007



مخربشات
.....
الأمة وثوابتها
عماد أبو غازي
نشرت في (أبريل 2005)الدستور القاهرية

يوم 27 مارس يصادف ذكرى وفاة نحات مصر الكبير محمود مختار، وفي احتفال صغير سلمت تمثالا مجهولا من تماثيل مختار ليودع في متحفه بعد ثمانين عاما على نحته له، وهو تمثال كاريكاتوري يسخر فيه الفنان من زعيم الأمة سعد زغلول، والتمثال يُعرض للمرة الأولى، وإن كنت قد عرضت صورا له في ندوة أقيمت بالمتحف أثناء الاحتفال بالمئوية الأولى لميلاد مختار عام 1991، ونشرت بعض هذه الصور في مقال بمجلة الهلال وآخر بجريدة الدستور.
في أعقاب إزاحة الستار عن التمثال الصغير بدأت تعليقات الحضور، أكثر ما لفت انتباهي فيها تعليق الأستاذ محمود مرسي مدرس التربية الفنية، الذي اعترض على عرض التمثال بالمتحف، وقال: إنه لا يستطيع أن يأتي مع تلاميذه إلى المتحف ويريهم هذا التمثال، لما يراه فيه من إساءة لمختار ولسعد، لأنه عمل ضد التقاليد والقيم والأخلاق القويمة !!
تذكرت على الفور الضجة التي أثيرت منذ أسابيع بسبب فيديو كليب للمنلوجست سعد الصغير، و لم أكن قد رأيته حتى ذلك الحين، ووصلت الأمور إلى حد اتهامه بالإساءة لتاريخنا الوطني، والسخرية من رموزنا القومية والتطاول على ثوابت الأمة، وكل ذلك لأن فكرة الكليب تعتمد على الخلط بين شخصية الزعيم سعد زغلول والمنلوجست سعد الصغير اعتمادا على اشتراكهما في الاسم الأول سعد، وحاولت مشاهدة الكليب على أي من القنوات التليفزيونية لأعرف مقدار الجرم الذي ارتكبه الصغير، ولكني لم أصادفه أبدا، إلى أن شاهدته ذات مرة على شاشة عرض بمحطة من محطات مترو الأنفاق، ولم أجد فيه ما يستدعي حملة التجريم التي شنها بعض الكتاب على تلك الأغنية الخفيفة، قد يعجب بها البعض منا وقد لا يستسيغها ولا يتذوقها البعض الأخر، لكن الأمر لا يمكن أن يصل إلى هذا الحد من الضيق بالفكاهة والنكتة.
وفي لحظات تداعت على ذهني خواطر متوالية حول هالات التقديس التي أصبحنا نضفيها على شخصيات لعبت دورا في تاريخنا السياسي أو الثقافي أو الفني، أو على أحداث أو حتى أماكن، فأصبح الاقتراب من هذه المناطق أحد المحرمات في حياتنا.
منذ أسابيع قليلة عندما أثارت الدكتورة رتيبة الحفني موضوع زواج مصطفى أمين من أم كلثوم، تعرضت للهجوم كأنها اتهمتهما ـ لا سمح الله ـ بارتكاب عمل مشين وليس زواجا على سنة الله ورسوله، وبغض النظر عن صحة الواقعة أو عدم صحتها، فالأمر لا يستدعي تلك الحالة الهيستيرية من الهجوم على الدكتورة، وقبلها قامت الدنيا ولم تقعد لأن الممثل محمد سعد غنى أغنية من أغنيات أم كلثوم بأداء كوميدي، وهاجمه الكتاب في الصحف وضيوف البرامج التلفزيونية باعتباره يدمر تراثنا الفني ويسيء إليه، لماذا هذه الضجة؟ ... قبل محمد سعد بأربعين سنة قدم كوميديانات كبار مثل إسماعيل يس وفؤاد المهندس مشاهد في أفلامهم ومسرحياتهم استخدموا فيها مقاطع من أغاني لأم كلثوم ونجاة الصغيرة وعبد الحليم حافظ قاموا بأدائها بصورة ساخرة، لم نسمع أن أم كلثوم اعترضت، ولم يؤد ذلك إلى تدمير تراثها الغنائي الذي عاش وسيعيش دون هذا الدفاع المتشنج عنه والذي يحوله إلى مقدس ديني يعلو فوق النقد وفوق أي تعامل إنساني معه، تذكرت عشرات من الحالات المماثلة في السنوات الأخيرة كلها تعكس حالة ضيق الصدر بالسخرية وبالنقد اللاذع التي أصبح يعيشها مجتمعنا، والتي هي نتاج لضيق أفق شديد، اتسعت بسببه "ثوابت الأمة" وامتدت من ثوابت الدين إلى السياسة لتصل اليوم الغناء.
قطعت شريط أفكاري فقد كان علي أن أرد على الأستاذ محمود مرسي، وقلت له: إن سعد زغلول الذي سخر منه مختار هذه السخرية في تمثاله، وأكثر منها في رسومه الكاريكاتورية التي أطلق عليها اسم "الزغلوليات"، لم يتهم مختار بالخيانة، ولم يصدر أمرا باعتقاله وهو على رأس السلطة، ولم يقاضيه أو يتهمه بالسب والقذف، بل بمجرد أن التقيا مصادفة تصافحا، وزار سعد مختار في موقع العمل بتمثال نهضة مصر قبل إزاحة الستار عنه، وهكذا يكون سلوك الكبار وسلوك الزعماء، فمادام سعد قد تصدى للعمل العام فعليه أن يقبل النقد والسخرية من شخصه العام، مهما كانت هذه السخرية لاذعة وقاسية.
إن سعد وأم كلثوم وغيرهما من صناع تاريخنا وحضارتنا ومن رموز ثقافتنا قدموا إسهامات مهمة لهذا البلد، ولكنهم بشر يجوز لنا أن ننتقدهم في حياتهم وبعد موتهم، كما يحق لنا وللأجيال من بعدنا أن نعيد استخدام بعض من تراثهم في شكل ساخر، فالشعوب القادرة على السخرية من نفسها ومن موروثها هي الشعوب القابلة للحياة السليمة وللتطور، وليس من حق كائن من كان أن ينصب نفسه حارسا للقيم أو قيما على الناس باسم الدفاع عن ثوابت الأمة وحمايتها، فالناس قادرون على تمييز الغث من الثمين، والثوابت ـ لو كانت ثوابت بالفعل ـ لن تهتز من مونولوج أو فيلم سينمائي أو مقال أو كتاب.
يا ناس شوية تسامح، وشوية قبول للآخر المختلف، وشوية تقبل للنقد والسخرية، فنحن أبناء حضارة اخترعت السخرية منذ آلاف السنيين، وظلت تمارسها عبر تاريخها، ولم تؤد هذه السخرية مهما كانت لاذعة إلى تقويض حضارتنا أو تدمير قيمنا أو تشويه ثقافتنا بل على العكس زادتها قوة.
وأقول لأخوانا بتوع "الثوابت" أن السخرية اللاذعة هي ثابت الثوابت في تاريخ مصر
!!!