الثلاثاء، 31 يوليو 2007



















قلة نهضة مصر
عماد أبو غازي


أثناء قيامي بإخلاء شقة جدتي عثرت على صندوق كبير فوق دولاب خشبي متهالك، الصندوق كان مغلقا بإحكام وعناية، ولأن منزل جدتي الذي كانت تسكن فيه منذ 1935 مليء بأشياء غريبة وطريفة فقد توقعت أن أعثر في هذا الصندوق على "كنز"، والكنز الذي أتوقعه وأنتظره ليس كنزا من المال فهي لم تكن تملك منه الكثير، لكن "كنزها" الكنز الذي يهمني ويعنيني كباحث في التاريخ والوثائق، كنز الأوراق القديمة والصور الفوتوغرافية والتذكارات، خصوصا أن سكان هذا المنزل جدتي وبناتها وشقيقتها، أسرة المثال مختار، وقد عشن فيه سبعين عاما، كما عاش فيه أبي منذ صباه حتى تزوج عام 1950، إن المنزل بالنسبة لي صندوقا للذكريات والأسرار جاءت الفرصة لفتحه وأنا أخلي الشقة بعد رحيل جميع ساكنيها، نرجع مرة أخرى للصندوق، لم أستطع الانتظار حتى أنزل بالصندوق من فوق الدولاب، فتحته وأنا نصف معلق في الهواء، كان أول ما اكتشفته شجرة للعائلة تتضمن نسب الذكور أبناء الذكور فقط، رسمها أحد أفراد العائلة وأهداها إلى أبي باعتباره ابن شقيقة مختار، ويرجع تاريخها إلى عام 1946، فقدرت بالخبرة المهنية كمتخصص في الأشياء القديمة، أن الصندوق أغلق في ذلك العام، عام 46 وليس قبل ذلك، ومع مزيد من الحفريات في أعماق الصندوق اكتشفت مجموعة من الصور الفوتوغرافية ترجع إلى بدايات القرن الماضي وخطابات وشهادات وأوراق قديمة أخرى، كان من أطرفها بالنسبة لي "شهادة تحقيق شخصية للخدامين" صادرة عن نظارة الداخلية في 10 فبراير 1917، والشهادة باسم مرسيلة عبد الله المولودة بالسودان والمقيمة بالداودية بالدرب الأحمر، سنها 50 سنة وتعمل طباخة، وتحمل الشهادة المدونة بالعربية والإنجليزية صورة الست مارسيلة، ومن النظرة الأولى يتضح أن الصورة لصاحبة تمثال لمختار، البورترية المعروف باسم رأس زنجية، ومرسيلة هذه أو كما كانت تسميها جدتي داده مارسينا طبخة تعيش مع الأسرة، وهي طفلة سودانية خطفها تجار الرقيق وباعوها في مصر قبل إلغاء الرق، واشترها جد جدتي في أوائل سبعينات القرن التاسع عشر، وتحررت مثل غيرها لكنها ظلت مرتبطة بالأسرة التي تربت في كنفها، وعندما كان مختار طالبا في مدرسة الفنون كان وجه مرسيلة أول وجه نسائي خلده في تمثال، عثرت أيضا على علبة صغيرة من القطيفة الخضراء بداخلها كارتين من الكارتون يحمل الأول صورة للزعيم مصطفى كامل محاطة بإطار مذهب وعليه عبارة "فلتحي ذكرى مصطفى كامل باشا"، وعلى الكارت الثاني وضعت صورة لقداسة الأنبا كيرلس الخامس محل صورة مصطفى كامل ودونت عبارة مماثلة لتلك المدونة على الكارت الأول، وعلى ظهر الكارتين عبارة: "المصور المصري حسن راسم حجازي بحارة أحمد طاهر بطنطا".
وعندما وصلت إلى القاع اكتشفت ما اعتبرته أهم كشف "أُسري"، غطاء قلة نهضة مصر، أخيرا عثرت على هذا التراث العائلي الذي كانت جدتنا تحكي لنا عنه وكنت أظنه أسطورة من الأساطير، كانت جدتي تحكي لنا دائما عن أن أحد مظاهر الاحتفاء الشعبي بتمثال نهضة مصر تمثل في صنع أغطية للقلل تحمل نموذجا مصغرا لتمثال النهضة، وكنت قد عاصرت وأنا صغير إنتهاء عصر القلة في بيوت الأسرة القديمة ومنها بيت جدتي، وكانت للقلل في زمننا أغطية من البلاستيك الملون، وكان السؤال الذي يشغل ذهني وأنا صغير إذا كانت أغطية القلل التي تحمل تمثال النهضة حقيقة وليست خيال فلماذا لا تستخدمها جدتي ؟ أخيرا وجدتني أمام الإجابة أمام القارة المفقودة، ثلاثة لفافات قُمعية الشكل مغلفة بإتقان بورق أزرق داخل كل لفافة غطاء قلة من المعدن الأبيض اللامع فوقه نموذج مذهب لتمثال نهضة مصر، أصغر نموذج شاهدته في حياتي للتمثال.
إن غطاء القلة هذا يعكس كيف تحول عمل فني تشكيلي إلى جزء من وجدان الأمة بكل طبقاتها، كان تمثال النهضة رمزا للثورة المصرية جسد من خلاله مختار طموح الثورة المصرية لاستعادة الروح الوطنية، فلقي التأييد من كل المصريين فأشاد به الزعيم سعد زغلول في رسالة بعث بها إلى مختار بعد أن شاهد النموذج المصغر الذي عرضه مختار في معرض باريس، ودعا مجموعة من الساسة والمثقفين لإقامة التمثال في ميدان من ميادين القاهرة، وتبنت جريدة الأخبار حملة لجمع التبرعات للتمثال، وقد شارك بالتبرع أغنياء مصر كما شارك الفقراء من كافة الطبقات بملاليم قليلة تجمعت لتصبح ثلاثة آلاف جنيه وهذا مبلغ كبير جدا بمقاييس وقتها، وقد نشر بدر الدين أبو غازي في كتابه عن المثال مختار قوائم التبرعات ونماذج من الخطابات التي أرسلها بسطاء المصريين طلاب وعمال وربات بيوت وباعة جائلين وباعة ترمس مع تبرعاتهم، لقد أصبح إحساس الناس عن حق أن التمثال ملكهم جميعا، وتكونت علاقة بين التمثال والناس لم تحدث من قبل في تاريخ الفن، فاتخذته الشركات الصناعية وشركات السينما وشركات النقل ودور النشر والمراكز البحثية والبنوك شعارا لها، لكن أجمل ما رأيته هذا التجسيد الشعبي البسيط للتمثال الرمز، غطاء القلة
.

الثلاثاء، 24 يوليو 2007

صور متنوعة لتمثال النهضة

الجمعة، 29 يونيو 2007


مظروف خطاب مرسل إلى مختار على موقع العمل بالتمثال

الأحد، 10 يونيو 2007


صور متنوعة لتمثال النهضة




مختار ونهضة مصر



في أثناء الحرب العالمية الأولى تغير الوضع السياسي في مصر، وتوفي السلطان حسين كامل وتولى أحمد فؤاد السلطنة من بعده وانتهت الحرب العالمية الأولى في نوفمبر 1918 وبدأ تاريخ مصر السياسي في التغير. ففي اليوم التالي لانتهاء الحرب، توجهت مجموعة من الساسة المصريين وعلى رأسهم الزعيم سعد زغلول إلى دار المعتمد البريطاني يطالبونه بإنهاء الأحكام العرفية والسماح لوفد من المصريين للسفر للمشاركة في مؤتمر الصلح في باريس، وكان ذلك في اليوم الذي أصبح يعرف في تاريخنا الوطني بيوم (عيد الجهاد الوطني) وهو يوم 13 نوفمبر، وظلت مصر تحتفل به كل عام باعتباره عيدًا من أعيادنا الوطنية إلى أن توقف الاحتفال به بعد عام 1952.
وفي أعقاب حركة القادة السياسيين للمطالبة بالمشاركة في مؤتمر الصلح، تصاعدت الأحداث السياسية كما نعرفها جميعًا وبدأت حركة جمع التوكيلات للوفد ليمثل مصر في هذا المؤتمر وانتهى الأمر بالقبض على سعد زغلول ورفاقه ونفيهم إلى جزيرة مالطة، فانفجرت الثورة الشعبية المصرية في 9 مارس سنة 1919. وكانت هذه الأحداث الدامية في مصر التي انتهت بإرغام قوات الاحتلال على السماح بذهاب الوفد المصري لمؤتمر الصلح في باريس والإفراج عن سعد زغلول وزملائه، هي التي ألهمت الفنان الشاب مختار ـ الذي كان لا يزال يعمل في باريس ويتعاون مع لجنة الطلبة المصريين التي أصبحت سكرتارية تساعد وتدعم حركة الوفد المصري في المفاوضات ـ بأن يستخدم فن النحت في تجسيد رمز لهذا الحدث المهم في تاريخنا "الثورة المصرية". وفي البداية صنع مختار نموذجًا لتمثال "نهضة مصر"، وكان هذا النموذج يصور رجلاً عربيًّا يرتدي عقالاً وفي يده سيف يستعد لرفعه، فقد كان هذا هو الشكل الأول الذي تصوره مختار لتمثال النهضة، لكن بعد أن انتهى منه قام بتحطيمه ولم يتبقَ منه غير صورة له نشرها الناقد المصري
الراحل جبرائيل بقطر في مقال له منشور ضمن كتيب صدر عام 1944 بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيل مختار.
وبعد أن حطم مختار نموذجه الأول لتمثال النهضة انتقل بعد ذلك إلى نحت نموذج جديد للتمثال، تمثال "نهضة مصر" بشكله الحالي الذي نعرفه جميعا. وقد غير فيه تمامًا الفكرة الأساسية التي كانت قائمة في التمثال الأول، فانتقل إلى اختيار نموذج مختلف يصور الفلاحة المصرية وتمثال أبي الهول الذي ينهض من كبوته أو من صمته. وكان النموذج الثاني للتمثال والذي عرضه مختار في باريس هو الذي حصل على شهادة تقدير من معرض الفنانين الفرنسيين، وفي هذا الوقت وصل سعد زغلول وزملائه إلى فرنسا للمشاركة كمراقبين في مؤتمر الصلح في باريس، وشاهد سعد زغلول التمثال وكتب كلمات إلى مختار يحيي فيها هذا العمل، وتقول هذه الكلمات:

"حضرة المصور الماهر مختار، شاهدت المثال الذي رمزت به لنهضة مصر فوجدته أبلغ رمز للحقيقة و أنهض حجة على صحتها، فأهنئك على هذا الخيال الواسع وهذا الذوق السليم وهذا الفن الساحر و أهنئ مصر أنك من أبنائها العاملين على إحياء حاضرها وأرجو أن تتم هذه النهضة حتى تبلُغ كمالها وتشفع تمثال النهضة بتمثال الاستقلال
والسلام."
سعد زغلول
باريس 9 مايو سنة 1920
هذه الرسالة وثيقة نادرة كتبها سعد زغلول تحية لمختار على تمثال "نهضة مصر".


الجمعة، 8 يونيو 2007


صورة فوتوغرافية
لأول معرض لطلاب مدرسة الفنون الجميلة أقيم
سنة 1911 بنادي الأوتومبيل المصري
وفي يسار الصورة يظهر التمثال الذي نحته مختار لزميل دراسته الفنان محمد حسن