الاثنين، 5 أبريل، 2010



من أرشيف فنان مصري
صور وأوراق محمود مختار
(1891 ـ 1934)

عماد أبو غازي

مجموعات الأوراق الخاصة للشخصيات السياسية والثقافية والفنية من المصادر المهمة لدراسة التاريخ، فمثل هذه المجموعات بما تضمه من مذكرات وخواطر وخطابات وصور فوتوغرافية وتذكرات تعكس ملامح خافية من حياة من لعبوا أدوارا في تاريخ الإنسانية وأسهموا في إثراء تراثها، كما تكشف عن جوانب مستترة في التاريخ.
وللأسف فإن الأرشيفات القومية لا تستطيع أن تحصل على مثل هذه الأوراق الخاصة إلا إذا كان لدى أصحابها أو ورثتهم الوعي والحس التاريخيين بأهمية هذه الأوراق وبضرورة إتاحتها للباحثين والمهتمين من خلال دور الأرشيف والمتاحف والمكتبات العامة.
وقد اهتم مشروع ذاكرة مصر المعاصرة منذ اللحظة الأولى بجمع مثل هذه الأوراق فضم الموقع مجموعات من الوثائق والصور والأوراق الخاصة لشخصيات سياسية وعلمية وثقافية لعبت أدوارا مهمة في تاريخ مصر في القرنين الماضيين، مثل: أوراق الرئيس الراحل أنور السادات، وأرشيف أسرة غالي، وأوراق دائرة محمد باشا محمود، وأوراق علي باشا إبراهيم، وأوراق يوسف درويش، وأوراق آخرين غيرهم.
واليوم نقدم بعض نماذج من الأوراق الخاصة لواحد من رواد النهضة الثقافية والفنية في القرن العشرين، إنها جولة في أرشيف المثال مختار.
لقد توفي مختار في 27 مارس سنة 1934 وترك تراثا فنيا ضخما ومشروعات عديدة لم تكتمل، وأوراقا وصورا تشكل أرشيفا لحياته الفنية والخاصة، يضم عشرات الصور الفوتوغرافية لأعماله الفنية التي لم يعرف مصير بعضها، فضلا عن صوره الشخصية وصوره مع أصدقائه في مناسبات متعددة، وبعض صور لإصدقائه وللشخصيات التي نحت لها تماثيلا، كما يضم هذا الأرشيف بعض الخطابات الشخصية، وبعض الأوراق الخاصة، كذلك يحوي أوراقا تتعلق بالعمل في تمثال نهضة مصر، وبعض أوراق "جماعة الخيال" التي شارك مختار في تأسيسها في العشرينيات من القرن الماضي، وكانت تضم مجموعة من الفنانيين والأدباء المصريين والأجانب المقيمين في مصر.
وقد تجمع هذا الأرشيف من ثلاثة مصادر رئيسية، أولها ما آل إلى الأسرة وحافظ عليه ابن شقيقته بدر الدين أبو غازي، بل أضاف إليه مما جمعه من أوراق وصور كانت لدى أصدقاء مختار، وما تجمع لدى أحد تلامذته المهتمين بإحياء تراثه الفنان الراحل علي كامل الديب الذي كان سكرتير ا عاما لجمعية أصدقاء مختار في مراحلها الأخيرة، ثم ما احتفظت به صديقته الفرنسية مارسيل دوبري.
وقد أودعت أسرة مختار نماذج من هذا الأرشيف في متحفه بالقاهرة القائم بحديقة الحرية بالجزيرة، كما نشر بدر الدين أبو غازي مجموعة مهمة من وثائق مختار وصوره وأوراقه التي يضمها أرشيفه الخاص في كتابيه عن مختار: "مختار حياته وفنه" 1949، و"المثال مختار" 1964، وفي كتابه المشترك مع الناقد جبرائيل بقطر "مختار ونهضة مصر" الذي صدر بالفرنسية عام 1950.
لكن أرشيف مختار غني بالصور والوثائق التي لم تنشر من قبل، والتي تضم كثيرا من التفاصيل الصغيرة المهمة عن حياة مختار وفنه، وعن الحياة الفنية والثقافية والاجتماعية، بل والحياة السياسية في ذلك العصر الذي عاش فيه مختار، وكان العصر عصر تحول في تاريخ مصر.
*******
والمثال مختار هو محمود مختار إبراهيم العيسوي، وقد ولد يوم 10 مايو سنة 1891 بقرية طنبارة من قرى محافظة الغربية، وهي قرية صغيرة قريبة من مدينة المحلة الكبرى، كان أبوه الشيخ إبراهيم العيسوي عمدة للقرية، أما أمه نبوية البدراوي فكانت ابنه للبدراوي أحمد عمدة قرية نشا السابق الذي نفاه الخديوي إسماعيل إلى السودان وصادر أملاكه بسبب مواقفه المعارضة لسياسته. وقرية نشا تتبع مركز طلخا بمحافظة الدقهلية الآن.
كانت نبوية البدراوي الزوجة الثانية للشيخ إبراهيم العيسوي، تزوجها بعد وفاة زوجته الأولى، وكانت في سن أبنائه من تلك الزوجة المتوفاه، وقد أنجبت له مختارا وبنتين تصغرانه سنا، لكن نبوية البدراوي لم تستمر كثيرا مع زوجها الشيخ الكبير، وانفصلت عنه عندما أحست بأنه يميز أبناءه من زوجته الأولى عن أبنائه منها، وعادت أم مختار إلى قريتها نشا، وهناك نشأ مختار، وأمضى طفولته، وصنع تماثيله الأولى من الطين على ضفاف الترعة.
ومع مطلع القرن العشرين انتقلت السيدة نبوية البدراوي إلى القاهرة لتعيش فيها بعد عودتها من رحلة للحج، وسرعان ما لحق بها ابنها مختار، عندما رآه الشيخ محمد أبو غازي أحد رجال قريته نشا يبكي على الطريق مفتقدا أمه وشقيقتاه، فقرر أن يصحبه معه إلى القاهرة غير مبال بغضب أخواله، فتغير مصير مختار وهو في الحادية عشرة من عمره، ليصبح بعد سنوات نحات مصر الأول في عصره وليترك لنا في حياته الفنية القصيرة التي أمضاها بين القاهرة وباريس قرابة مائة تمثال معظمها بمتحفه بحديقة الحرية بالجزيرة.



وفي القاهرة شق مختار لنفسه طريقا جديدا لحياته عندما افتتح الأمير يوسف كمال مدرسة الفنون الجميلة بقصره بدرب الجماميز، أحد أحياء القاهرة، وعين فيها عددا من الأساتذة الأوروبيين، وكان مختار أول طالب يلتحق بالمدرسة الجديدة. وفي أوراق مختار الخاصة صورة لأحد هؤلاء الأساتذة الأوائل في الكلية الذين درسوا لمختار، هو الإيطالي بول فورشيللا.