الجمعة، 30 نوفمبر، 2007


الزعيم والطاغية
عندما توفي الزعيم سعد زغلول في 23 أغسطس سنة 1927 شيعته جماهير الشعب المصري في جنازة مهيبة شارك فيها عشرات الآلاف من المصريين، وبعد أن انتهت مراسم الحداد الرسمي والحزن الشعبي الذي فاق الوصف، بدأ التفكير في خطوات تخليد ذكرى زعيم الأمة، وكانت الوزارة التي تتولى الحكم وزارة ائتلافية يؤيدها الوفد المصري.
وكان من القرارات التي اتخذتها الحكومة لتخليد ذكرى سعد شراء بيته واعتباره من الأملاك العامة لصيانة آثار سعد الباقية فيه، وتشييد ضريح يليق بالزعيم، ينقل إليه جثمانه بعد الانتهاء من تشييده، على أن يستلهم تصميمه من خطوط العمارة المصرية القديمة، وتقرر أن يشيد الضريح في أرض خالية بالقرب من بيت سعد الذي عرف باسم "بيت الأمة" منذ بدأ الرجل يقود حركة الشعب المصري نحو الاستقلال أواخر عام 1918.
كما قررت الحكومة كذلك إقامة تمثالين للزعيم واحد في القاهرة والثاني في الإسكندرية، واستدعت الحكومة المثال مختار من باريس لتكلفه بإقامة التمثالين، كان مختار وقتها أبرز نحات مصري، وكانت له قصة طويلة مع الثورة المصرية، ثورة 1919 منذ عبر عنها بتمثاله الرائع نهضة مصر الذي التف حوله الشعب بكل طبقاته، وتحمس مختار للفكرة ولبى الدعوة واعتبر المهمة عملا قوميا يتيح له تسجيل حياة الشعب المصري وكفاحه ومثله السياسية التي كان يناضل من أجله من خلال تمثالي الزعيم، وكانت فكرة التمثالين حاضرة في ذهن مختار، فهو القائل: "إن في وجدان كل مصري ولو لم يكن فنانا تمثالا لسعد زغلول".
وتقرر أن يقام تمثال القاهرة في ميدان قصر النيل بينما يقام تمثال الإسكندرية في محطة الرمل، وأراد مختار أن يكون عمله صرحا كبيرا يرتفع إلى عنان السماء ليرفع زعيم الأمة إلى المكانة التي يستحقها.
وتعاقدت الحكومة مع مختار وتقرر في العقد أن يعهد إلى الفنان بالتنفيذ الكامل، وأن تكون الحكومة طرفا في التعاقد معه، تلتزم بما تقضي به أحكام العقد دون تدخل في عمل المثال، أو في الجوانب الفنية.
وكان من الممكن أن تسير الأمور في مسارها الطبيعي ويشيد الضريح وينقل إليه جثمان سعد، ويرتفع التمثالان في القاهرة والإسكندرية، خاصة أن مختار كان يطمح في إنهاء العمل خلال عام واحد فقط. لكن الملك فؤاد كان يعتبر سعدا حتى بعد وفاته خصما لدودا له، كما كان للزعيم خصومه السياسيون من بين الساسة ورجال الأحزاب الموالين للسرايا والإنجليز. ولم ينس خصوم سعد للرجل مواقفه خاصة في سنواته الأخيرة، وقيادته لثورة الشعب عام 1919، ودفاعه المجيد عن إقامة حياة دستورية سليمة، لقد كانت القوى الرجعية تتحين كل فرصة للانقضاض على المكاسب الديمقراطية التي حققتها ثورة 1919، وتحرص دائما على حصار الحريات العامة التي اكتسبها الشعب بكفاحه، وتسعى إلى تحطيم رموز الحرية الفكرية.
وعندما وقع الانقلاب الدستوري في عام 1930، وجاءت إلى الحكم وزارة إسماعيل صدقي باشا الموالية للسراي والمعادية للشعب توالت الاعتداءات على الدستور وعلى حرية الفكر والتعبير في البلاد، فألغي دستور 1923 ليحل محله دستور 1930 الذي زاد من سلطات الملك على حساب سلطات البرلمان المنتخب وعلى حساب حقوق الشعب، وتعرض كثير من المفكرين لعدوان السلطة، فسجن العقاد بتهمة العيب في الذات الملكية، وأبعد طه حسين عن الجامعة، فاستقال أحمد لطفي السيد من منصبه كمدير للجامعة المصرية، وفصل حافظ إبراهيم من دار الكتب المصرية، أما مختار فكان نصيبه من الهجمة الرجعية عرقلة العمل في مشروع تمثالي سعد زغلول بالقاهرة والإسكندرية، وكان الهدف من العرقلة مزدوجا سعد ومختار في آن واحد، فهناك "تار بايت بين الملك ومختار" منذ اختار الفلاحة رمزا يعبر به عن مصر، ومنذ نحت تماثيل شخصية لرجل العصر الذين شيدوا دعائم الحرية من أمثال عدلي يكن وعبد الخالق ثروت وسعد زغلول، ولم يعرض أن ينحت تمثالا للملك فؤاد، وعندما طلب منه ذلك وبدأ في نحت التمثال مرغما، توقف عن العمل فيه بمجرد أن أبدى فؤاد ملاحظات فنيه على العمل، ولم يتبق منه سوى صورة فوتوغرافية للتمثال في مرحلة الإعداد الأولي، وبدلا من ذلك نحت تمثالا كاريكاتيريا ساخرا من الملك، وقام بعض أصدقائه المقربين من السرايا بتحطيم التمثال حماية لمختار وخوفا عليه عندما علموا بأن خبره تسرب إلى الملك.
أما سعد فلم تكتف الحكومة بعرقلة العمل في تمثاليه، بل استولت على ضريحه ونقلت إليه مومياوت الفراعنة بحجة عدم ملائمة عرضها على الجمهور، لتشغل المكان وتوقف إجراءات نقل الجثمان.

الاثنين، 8 أكتوبر، 2007

الفنان والزعيم
تمثال مجهول للزعيم سعد زغلول
عماد بدر الدين أبو غازي

يعرف الناس علاقة المثال محمود مختار بسعد زغلول، أن مختار هو مبدع تمثالى الميدان للزعيم فى القاهرة والإسكندرية، وهما التمثالان اللذان شيدهما مختار بطلب من الحكومة المصرية فى إطار حملة تخليد ذكرى سعد، بعد رحيله فى 23 أغسطس 1927، وكانا إسهاما من مختار فى الاحتفاء بذكرى الزعيم، ومختار هو القائل " إن فى وجدان كل مصرى ـ ولو لم يكن فنانا ـ تمثالا لسعد زغلول[1]".
من خلال تمثالى سعد بالقاهرة والإسكندرية سجل مختار مجموعة من القيم والمفاهيم السياسية والوطنية، فلم يكن التمثالان مجرد تجسيد لشكل الزعيم وملامحه الشخصية، ولم يكونا مجرد تمثالى ميدان كغيرهما من التماثيل التى جمّلت ميادين القاهرة منذ القرن 19. لقد كانت المرة الأولى التى يحول فيها فنان مصرى تمثال الميدان الشخصى إلى ملحمة تٌعبر عن ثورة شعب وطموحاته وأهدافه وآمانيه القومية، فقاعدة تمثال الإسكندرية قامت على مشاهد تسجيلية لأحداث ثورة 1919، ورمزين مجسمين للوجهين البحرى والقبلى. وحين صور مختار العدالة والدستور والإستقلال على قاعدة تمثال القاهرة كان يسجل أهدافا يسعى الشعب المصرى إلى تحقيقها من خلال نضاله الوطنى وحين صور أصحاب الحرف ومشاهد العمل فى الريف وعلى صفحة النهر كان يخلد أبناء هذا الشعب الذين ثاروا سنة 1919 فى نحت جدارى ميدانى لأول مرة.
لقد كان بناء قاعدة تمثال سعد الجرانيتية فى القاهرة تشكيلا متكاملا مع تمثال الزعيم الذى يعلوها، إنها ليست مجرد قاعدة ترفع التمثال ولكنها تحمل إشارة واضحة إلى أن القاعدة بما فيها من بشر وقيم وأهداف هى التى رفعت الزعيم وحملته ليحتل مكانه البارز فى وجدان وتاريخ الأمة.
كذلك يشاهد زوار متحف مختار بالجزيرة تمثالا نصفيا لسعد وتمثالا آخر لرأس سعد ـ مأخوذا عن تمثال سعد الميدانى بالقاهرة ـ وهو واحد من أروع أعمال مختار فى فن التمثال الشخصى
[2].
وإذا كانت ثورة 1919 التى فجرها نفى سعد وصحبه هى البداية تفجر مختار وانطلاقه الفنى فى طريق إرساء ملامح مدرسة مصرية حديثة فى فن النحت، فقد كانت الثورة بداية لمرحلة جديدة فى حياة مصر الفكرية والفنية مثلما كانت بداية مرحلة جديدة فى حياتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية. وإذا كان مختار هو واحد من مشيدى أروع الرموز الفنية لتخليد ثورة 1919 وزعيمها، فإن ما لا يعرفه الناس عن علاقة الفنان بالزعيم، هو أن هذه العلاقة لم تسر دائما فى إتجاه التأييد والتمجيد من الفنان للزعيم بل مرت بمرحلة من الجفوة والمعارضة.
فى سياق الثورة كان لقاء مختار الأول بالوفد المصرى وزعيمه سعد، فعندما كان مختار فى باريس أشترك فى حركة الطلاب المصريين فى دعم الوفد المصرى فى مفاوضات السلام
[3]، وهناك كان إسهامه الأساسى فى التعبير الفنى عن الثورة من خلال النموذج الأول لتمثال النهضة الذى عرضه فى صالون باريس 1920. وأرسل سعد خطابا لمختار فى 6 مايو 1920 يشيد بالتمثال قال فيه:
"حضرة المصور الماهر مختار.
شاهدت المثّال الذى رمزت به لنهضة مصر فوجدته أبلغ رمز للحقيقة وأنهض حجة على صحتها فأهنيك على هذا الخيال الواسع وهذا الذوق السليم وهذا الفن الساحر وأهنئ مصر بأنك من أبنائها العاملين على إعادة مجدها وأرجو الله أن يعين هذه النهضة حتى تبلغ كمالها فتشفع مثال النهضة بمثال الإستقلال والسلام."
سعد زغلول
باريس 6 مايو سنة 1920


بطل النهضة
ويتحمس بعض أعضاء الوفد للتمثال وتبدأ الدعوة فى جريدة الأخبار لأكتتاب شعبى لإقامة التمثال فى مصر..( ويعود مختار إلى مصر بطلا من أبطال نهضتها.. فتمثاله رمز للنهضة وعلامة من علامات الثورة والبعث فهو أول أثر فنى يقيمه مصرى.. ويقيمه فى عهد " السلاطين " ولكنه لا يرمز للنهضة بالحاكم وإنما يرمز لها بالشعب ويجعل الفلاحة فى الميدان العام رمزا لمصر"
[4] وبدأ العمل فى التمثال إعتمادا على التبرعات الشعبية وعلى الدعم الحكومى الذى قدمته وزارة عبد الخالق ثروت ومقداره 3000 جنيه وعقب صدور دستور 23 وتشكيل أول برلمان وطنى أنبرى ويصا واصف للدفاع عن التمثال وضرورة توفير الإعتمادات الكافيه لإنجازه واستجاب سعد زغلول وكان على رأس الوزارة لهذه الدعوة إذ رأى أن حكومة النهضة يجب أن تتكفل بتمثالها[5].
وفى هذه المرحلة التى أعقبت قيام الحكم البرلمانى وما شهدته من صراعات سياسية وفكرية وانشقاقات خرجت عن الوفد المصرى، تعارضت نظرة مختار إلى سعد رئيس الحكومة ورئيس البرلمان والسياسى الذى يصارع على الساحة السياسية فى الداخل مع نظرته لسعد زعيم الأمة وقائد الثورة، ووقف مختار فى كثير من الأحيان فى مواجهة مع سعد ومواقفه وقدم من خلال مجلة " الكشكول " مجموعة من الرسوم الكاريكاتورية عرفت باسم " الزغلوليات " أنتقد فيها بعض مواقف سعد وسخر منها، كما قدم كذلك رسوما كاريكاتورية ساخرة فى " السياسة الأسبوعية " ، ومن اللافت للنظر أن كثيرا من الأدباء والمفكرين ذوى الميول الليبرالية والديمقراطية قد أنحازوا فى هذه الفترة إلى جانب حزب الأحرار الدستوريين أو التفوا حول جريدته الأسبوعية التى كانت فى تلك المرحلة من العشرينات أحد أهم المنابر الثقافية فى مصر. وربما يرجع ذلك إلى أن حزب الأحرار كان منحازا بالكامل إلى جانب حرية الفكر فى بعض القضايا التى أثيرت فى تلك الفترة، بينما كان الوفد متحفظا إلى حد ما ومتبنيا لمواقف أقل حسما، مثلما حدث عند إثارة قضيتى " السلام وأصول الحكم" و " الشعر الجاهلى".
كذلك كان موقف سعد من معارضيه وموقفهم الحاد منهم مجالا لإنتقاد مختار له.
ولم تقتصر إنتقادات مختار لسعد على الرسوم الكاريكاتورية، فقد نحت تمثالا لسعد يعد من أعمال النحت الكاريكاتورى النادر مثل فيه سعدا مرتديا ملابس فقراء الهنود وجالسا فى جلسة التأمل فى اليوجا ومرتديا فى نفس الوقت ياقة منشاة ورابطة عنق ( بابيون) فى إشارة إلى التعارض بين المواقف والأقوال، مع تضخيم الأذنين بشكل مبالغ فيه تلميحا إلى أن سعد يستمع إلى الوشايات التى تنقل إليه لقد حاول مختار أن يلخص فى هذا التمثال الساخر رأيه الناقد لسعد فى مرحلة من مراحل حياته السياسة.
وقد ظل هذا التمثال مجهولا لعشرات السنين إلى أن كشف عنه فى محاضرة ألقيت بمتحف مختار أثناء الإحتفال بالعيد المئوى لميلاد مختار
[6]، ولا يزال التمثال فى حوزة أسرة مختار إلى الآن[7] والتمثال قد صب فى الجبس ويمثل مع مجموعة آخرى من التماثيل الساخرة أحد جوانب فن مختار. التى لم يلق عليها الضوء الكافى بعد ومن هذه التماثيل الساخرة تمثالا صديقى مختار حسين رجب ومحمد شفيق، ولعل أشهرها تمثال ابن البلد، والذى يرجع إلى مرحلة دراسة مختار فى مدرسة الفنون بالقاهرة.
وقد أثارت رسوم مختار وانتقاداته حفيظة سعد عليه وأدت إلى قطيعة بينهما دامت سنوات إلى أن التقيا مصادفة فى فندق ميناهاوس وتصافيا وتصالحا، ثم قام بعدها سعد بزيارته الشهيرة لموقع العمل فى تمثال النهضة بصحبة جماعة من الساسة والأدباء والصحفيين، وقد أحتفى مختار بسعد إحتفاء بالغا فى تلك الزيارة التى كانت من أيام الوداع فى حياة سعد فلم يمهل القدر مختارا حتى يحظى بمشاركة سعد فى حفل إزاحة الستار عن تمثال النهضة بسبب مماطلات الحكومة التى أجلت الحفل لشهور طوال كان سعد قد فارق الحياة.
لقد إنقضت بذهاب سعد تفاصيل الخلافات العابرة والإنتقادات الساخرة ولم يبق إلا الرمز الذى خلفه كزعيم للأمة واستوحاه مختار فى تمثاليه الميدانيين لسعد، هذان التمثالان اللذان تسببا فيما لاقاه مختار من عنت وإضطهاد فى سنواته الأخيرة ورحل قبل أن يراهما قائمين فى مكانيهما
[8]، مثلما رحل سيد درويش قبل أن يستمع إلى الجماهير وهى تنشد لحنه فى إستقبال سعد عند عودته من منفاه فى المرة الثانية.
مصرنا وطنا سعدها أملنا
كلنا جميعا للوطن ضحية
[1] بدر الدين أبو غازى: المثال مختار ، الدار القومية للطباعة والنشر، 1964، ص 59.
[2] حول تماثيل مختار عن سعد أنظر: بدر الدين أبو غازى: مختار حياته وفنه، مطبعة مصر، 1949، ص 82 ـ 88 وص 121ـ 124. والمثال مختار، ص 22ـ 24. أنظر كذلك رأى العقاد الناقد للتمثالين فى:
عباس محمود العقاد: سعد زغلول سيرة وتحية مطبعة حجازى، 1936 ص 619ـ 620.
[3] داود عزيز: مختار رائدا ( مجلة الطليعة، مارس 1969) ، ص 64.
[4] المثال مختار، ص 18.
[5] مختار حياته وفنه، ص 41ـ 42.
[6] عماد أبو غازى مختار وسعد زغلول ، محاضرة ألقيت فى متحف مختار يوم 5 أغسطس 1991.
[7] رأت أسرة مختار أنه من غير المناسب الكشف عن التمثال وعرضه فى وقت كان هناك قدر كبير من الغبن يحيط بثورة 1919 وزعمائها، ومع تغير الظروف أصبح من الضرورى الكشف عن التمثال وعرضه على الناس.
[8] المثال مختار، ص 59 ـ 65.

الأربعاء، 26 سبتمبر، 2007


تمثال
نهضة
مصر
في
موقعه
القديم
أثناء
رفعه
على
قاعدته

الاثنين، 20 أغسطس، 2007



علي اليسار
رياح الخماسين
على اليمين
مختار
ينحت
تمثال الوجه القبلي
قاعدة سعد زغلول
الإسكندرية

السبت، 4 أغسطس، 2007



مخربشات
.....
الأمة وثوابتها
عماد أبو غازي
نشرت في (أبريل 2005)الدستور القاهرية

يوم 27 مارس يصادف ذكرى وفاة نحات مصر الكبير محمود مختار، وفي احتفال صغير سلمت تمثالا مجهولا من تماثيل مختار ليودع في متحفه بعد ثمانين عاما على نحته له، وهو تمثال كاريكاتوري يسخر فيه الفنان من زعيم الأمة سعد زغلول، والتمثال يُعرض للمرة الأولى، وإن كنت قد عرضت صورا له في ندوة أقيمت بالمتحف أثناء الاحتفال بالمئوية الأولى لميلاد مختار عام 1991، ونشرت بعض هذه الصور في مقال بمجلة الهلال وآخر بجريدة الدستور.
في أعقاب إزاحة الستار عن التمثال الصغير بدأت تعليقات الحضور، أكثر ما لفت انتباهي فيها تعليق الأستاذ محمود مرسي مدرس التربية الفنية، الذي اعترض على عرض التمثال بالمتحف، وقال: إنه لا يستطيع أن يأتي مع تلاميذه إلى المتحف ويريهم هذا التمثال، لما يراه فيه من إساءة لمختار ولسعد، لأنه عمل ضد التقاليد والقيم والأخلاق القويمة !!
تذكرت على الفور الضجة التي أثيرت منذ أسابيع بسبب فيديو كليب للمنلوجست سعد الصغير، و لم أكن قد رأيته حتى ذلك الحين، ووصلت الأمور إلى حد اتهامه بالإساءة لتاريخنا الوطني، والسخرية من رموزنا القومية والتطاول على ثوابت الأمة، وكل ذلك لأن فكرة الكليب تعتمد على الخلط بين شخصية الزعيم سعد زغلول والمنلوجست سعد الصغير اعتمادا على اشتراكهما في الاسم الأول سعد، وحاولت مشاهدة الكليب على أي من القنوات التليفزيونية لأعرف مقدار الجرم الذي ارتكبه الصغير، ولكني لم أصادفه أبدا، إلى أن شاهدته ذات مرة على شاشة عرض بمحطة من محطات مترو الأنفاق، ولم أجد فيه ما يستدعي حملة التجريم التي شنها بعض الكتاب على تلك الأغنية الخفيفة، قد يعجب بها البعض منا وقد لا يستسيغها ولا يتذوقها البعض الأخر، لكن الأمر لا يمكن أن يصل إلى هذا الحد من الضيق بالفكاهة والنكتة.
وفي لحظات تداعت على ذهني خواطر متوالية حول هالات التقديس التي أصبحنا نضفيها على شخصيات لعبت دورا في تاريخنا السياسي أو الثقافي أو الفني، أو على أحداث أو حتى أماكن، فأصبح الاقتراب من هذه المناطق أحد المحرمات في حياتنا.
منذ أسابيع قليلة عندما أثارت الدكتورة رتيبة الحفني موضوع زواج مصطفى أمين من أم كلثوم، تعرضت للهجوم كأنها اتهمتهما ـ لا سمح الله ـ بارتكاب عمل مشين وليس زواجا على سنة الله ورسوله، وبغض النظر عن صحة الواقعة أو عدم صحتها، فالأمر لا يستدعي تلك الحالة الهيستيرية من الهجوم على الدكتورة، وقبلها قامت الدنيا ولم تقعد لأن الممثل محمد سعد غنى أغنية من أغنيات أم كلثوم بأداء كوميدي، وهاجمه الكتاب في الصحف وضيوف البرامج التلفزيونية باعتباره يدمر تراثنا الفني ويسيء إليه، لماذا هذه الضجة؟ ... قبل محمد سعد بأربعين سنة قدم كوميديانات كبار مثل إسماعيل يس وفؤاد المهندس مشاهد في أفلامهم ومسرحياتهم استخدموا فيها مقاطع من أغاني لأم كلثوم ونجاة الصغيرة وعبد الحليم حافظ قاموا بأدائها بصورة ساخرة، لم نسمع أن أم كلثوم اعترضت، ولم يؤد ذلك إلى تدمير تراثها الغنائي الذي عاش وسيعيش دون هذا الدفاع المتشنج عنه والذي يحوله إلى مقدس ديني يعلو فوق النقد وفوق أي تعامل إنساني معه، تذكرت عشرات من الحالات المماثلة في السنوات الأخيرة كلها تعكس حالة ضيق الصدر بالسخرية وبالنقد اللاذع التي أصبح يعيشها مجتمعنا، والتي هي نتاج لضيق أفق شديد، اتسعت بسببه "ثوابت الأمة" وامتدت من ثوابت الدين إلى السياسة لتصل اليوم الغناء.
قطعت شريط أفكاري فقد كان علي أن أرد على الأستاذ محمود مرسي، وقلت له: إن سعد زغلول الذي سخر منه مختار هذه السخرية في تمثاله، وأكثر منها في رسومه الكاريكاتورية التي أطلق عليها اسم "الزغلوليات"، لم يتهم مختار بالخيانة، ولم يصدر أمرا باعتقاله وهو على رأس السلطة، ولم يقاضيه أو يتهمه بالسب والقذف، بل بمجرد أن التقيا مصادفة تصافحا، وزار سعد مختار في موقع العمل بتمثال نهضة مصر قبل إزاحة الستار عنه، وهكذا يكون سلوك الكبار وسلوك الزعماء، فمادام سعد قد تصدى للعمل العام فعليه أن يقبل النقد والسخرية من شخصه العام، مهما كانت هذه السخرية لاذعة وقاسية.
إن سعد وأم كلثوم وغيرهما من صناع تاريخنا وحضارتنا ومن رموز ثقافتنا قدموا إسهامات مهمة لهذا البلد، ولكنهم بشر يجوز لنا أن ننتقدهم في حياتهم وبعد موتهم، كما يحق لنا وللأجيال من بعدنا أن نعيد استخدام بعض من تراثهم في شكل ساخر، فالشعوب القادرة على السخرية من نفسها ومن موروثها هي الشعوب القابلة للحياة السليمة وللتطور، وليس من حق كائن من كان أن ينصب نفسه حارسا للقيم أو قيما على الناس باسم الدفاع عن ثوابت الأمة وحمايتها، فالناس قادرون على تمييز الغث من الثمين، والثوابت ـ لو كانت ثوابت بالفعل ـ لن تهتز من مونولوج أو فيلم سينمائي أو مقال أو كتاب.
يا ناس شوية تسامح، وشوية قبول للآخر المختلف، وشوية تقبل للنقد والسخرية، فنحن أبناء حضارة اخترعت السخرية منذ آلاف السنيين، وظلت تمارسها عبر تاريخها، ولم تؤد هذه السخرية مهما كانت لاذعة إلى تقويض حضارتنا أو تدمير قيمنا أو تشويه ثقافتنا بل على العكس زادتها قوة.
وأقول لأخوانا بتوع "الثوابت" أن السخرية اللاذعة هي ثابت الثوابت في تاريخ مصر
!!!

الثلاثاء، 31 يوليو، 2007



















قلة نهضة مصر
عماد أبو غازي


أثناء قيامي بإخلاء شقة جدتي عثرت على صندوق كبير فوق دولاب خشبي متهالك، الصندوق كان مغلقا بإحكام وعناية، ولأن منزل جدتي الذي كانت تسكن فيه منذ 1935 مليء بأشياء غريبة وطريفة فقد توقعت أن أعثر في هذا الصندوق على "كنز"، والكنز الذي أتوقعه وأنتظره ليس كنزا من المال فهي لم تكن تملك منه الكثير، لكن "كنزها" الكنز الذي يهمني ويعنيني كباحث في التاريخ والوثائق، كنز الأوراق القديمة والصور الفوتوغرافية والتذكارات، خصوصا أن سكان هذا المنزل جدتي وبناتها وشقيقتها، أسرة المثال مختار، وقد عشن فيه سبعين عاما، كما عاش فيه أبي منذ صباه حتى تزوج عام 1950، إن المنزل بالنسبة لي صندوقا للذكريات والأسرار جاءت الفرصة لفتحه وأنا أخلي الشقة بعد رحيل جميع ساكنيها، نرجع مرة أخرى للصندوق، لم أستطع الانتظار حتى أنزل بالصندوق من فوق الدولاب، فتحته وأنا نصف معلق في الهواء، كان أول ما اكتشفته شجرة للعائلة تتضمن نسب الذكور أبناء الذكور فقط، رسمها أحد أفراد العائلة وأهداها إلى أبي باعتباره ابن شقيقة مختار، ويرجع تاريخها إلى عام 1946، فقدرت بالخبرة المهنية كمتخصص في الأشياء القديمة، أن الصندوق أغلق في ذلك العام، عام 46 وليس قبل ذلك، ومع مزيد من الحفريات في أعماق الصندوق اكتشفت مجموعة من الصور الفوتوغرافية ترجع إلى بدايات القرن الماضي وخطابات وشهادات وأوراق قديمة أخرى، كان من أطرفها بالنسبة لي "شهادة تحقيق شخصية للخدامين" صادرة عن نظارة الداخلية في 10 فبراير 1917، والشهادة باسم مرسيلة عبد الله المولودة بالسودان والمقيمة بالداودية بالدرب الأحمر، سنها 50 سنة وتعمل طباخة، وتحمل الشهادة المدونة بالعربية والإنجليزية صورة الست مارسيلة، ومن النظرة الأولى يتضح أن الصورة لصاحبة تمثال لمختار، البورترية المعروف باسم رأس زنجية، ومرسيلة هذه أو كما كانت تسميها جدتي داده مارسينا طبخة تعيش مع الأسرة، وهي طفلة سودانية خطفها تجار الرقيق وباعوها في مصر قبل إلغاء الرق، واشترها جد جدتي في أوائل سبعينات القرن التاسع عشر، وتحررت مثل غيرها لكنها ظلت مرتبطة بالأسرة التي تربت في كنفها، وعندما كان مختار طالبا في مدرسة الفنون كان وجه مرسيلة أول وجه نسائي خلده في تمثال، عثرت أيضا على علبة صغيرة من القطيفة الخضراء بداخلها كارتين من الكارتون يحمل الأول صورة للزعيم مصطفى كامل محاطة بإطار مذهب وعليه عبارة "فلتحي ذكرى مصطفى كامل باشا"، وعلى الكارت الثاني وضعت صورة لقداسة الأنبا كيرلس الخامس محل صورة مصطفى كامل ودونت عبارة مماثلة لتلك المدونة على الكارت الأول، وعلى ظهر الكارتين عبارة: "المصور المصري حسن راسم حجازي بحارة أحمد طاهر بطنطا".
وعندما وصلت إلى القاع اكتشفت ما اعتبرته أهم كشف "أُسري"، غطاء قلة نهضة مصر، أخيرا عثرت على هذا التراث العائلي الذي كانت جدتنا تحكي لنا عنه وكنت أظنه أسطورة من الأساطير، كانت جدتي تحكي لنا دائما عن أن أحد مظاهر الاحتفاء الشعبي بتمثال نهضة مصر تمثل في صنع أغطية للقلل تحمل نموذجا مصغرا لتمثال النهضة، وكنت قد عاصرت وأنا صغير إنتهاء عصر القلة في بيوت الأسرة القديمة ومنها بيت جدتي، وكانت للقلل في زمننا أغطية من البلاستيك الملون، وكان السؤال الذي يشغل ذهني وأنا صغير إذا كانت أغطية القلل التي تحمل تمثال النهضة حقيقة وليست خيال فلماذا لا تستخدمها جدتي ؟ أخيرا وجدتني أمام الإجابة أمام القارة المفقودة، ثلاثة لفافات قُمعية الشكل مغلفة بإتقان بورق أزرق داخل كل لفافة غطاء قلة من المعدن الأبيض اللامع فوقه نموذج مذهب لتمثال نهضة مصر، أصغر نموذج شاهدته في حياتي للتمثال.
إن غطاء القلة هذا يعكس كيف تحول عمل فني تشكيلي إلى جزء من وجدان الأمة بكل طبقاتها، كان تمثال النهضة رمزا للثورة المصرية جسد من خلاله مختار طموح الثورة المصرية لاستعادة الروح الوطنية، فلقي التأييد من كل المصريين فأشاد به الزعيم سعد زغلول في رسالة بعث بها إلى مختار بعد أن شاهد النموذج المصغر الذي عرضه مختار في معرض باريس، ودعا مجموعة من الساسة والمثقفين لإقامة التمثال في ميدان من ميادين القاهرة، وتبنت جريدة الأخبار حملة لجمع التبرعات للتمثال، وقد شارك بالتبرع أغنياء مصر كما شارك الفقراء من كافة الطبقات بملاليم قليلة تجمعت لتصبح ثلاثة آلاف جنيه وهذا مبلغ كبير جدا بمقاييس وقتها، وقد نشر بدر الدين أبو غازي في كتابه عن المثال مختار قوائم التبرعات ونماذج من الخطابات التي أرسلها بسطاء المصريين طلاب وعمال وربات بيوت وباعة جائلين وباعة ترمس مع تبرعاتهم، لقد أصبح إحساس الناس عن حق أن التمثال ملكهم جميعا، وتكونت علاقة بين التمثال والناس لم تحدث من قبل في تاريخ الفن، فاتخذته الشركات الصناعية وشركات السينما وشركات النقل ودور النشر والمراكز البحثية والبنوك شعارا لها، لكن أجمل ما رأيته هذا التجسيد الشعبي البسيط للتمثال الرمز، غطاء القلة
.

الثلاثاء، 24 يوليو، 2007

صور متنوعة لتمثال النهضة

الجمعة، 29 يونيو، 2007


مظروف خطاب مرسل إلى مختار على موقع العمل بالتمثال

الأحد، 10 يونيو، 2007


صور متنوعة لتمثال النهضة




مختار ونهضة مصر



في أثناء الحرب العالمية الأولى تغير الوضع السياسي في مصر، وتوفي السلطان حسين كامل وتولى أحمد فؤاد السلطنة من بعده وانتهت الحرب العالمية الأولى في نوفمبر 1918 وبدأ تاريخ مصر السياسي في التغير. ففي اليوم التالي لانتهاء الحرب، توجهت مجموعة من الساسة المصريين وعلى رأسهم الزعيم سعد زغلول إلى دار المعتمد البريطاني يطالبونه بإنهاء الأحكام العرفية والسماح لوفد من المصريين للسفر للمشاركة في مؤتمر الصلح في باريس، وكان ذلك في اليوم الذي أصبح يعرف في تاريخنا الوطني بيوم (عيد الجهاد الوطني) وهو يوم 13 نوفمبر، وظلت مصر تحتفل به كل عام باعتباره عيدًا من أعيادنا الوطنية إلى أن توقف الاحتفال به بعد عام 1952.
وفي أعقاب حركة القادة السياسيين للمطالبة بالمشاركة في مؤتمر الصلح، تصاعدت الأحداث السياسية كما نعرفها جميعًا وبدأت حركة جمع التوكيلات للوفد ليمثل مصر في هذا المؤتمر وانتهى الأمر بالقبض على سعد زغلول ورفاقه ونفيهم إلى جزيرة مالطة، فانفجرت الثورة الشعبية المصرية في 9 مارس سنة 1919. وكانت هذه الأحداث الدامية في مصر التي انتهت بإرغام قوات الاحتلال على السماح بذهاب الوفد المصري لمؤتمر الصلح في باريس والإفراج عن سعد زغلول وزملائه، هي التي ألهمت الفنان الشاب مختار ـ الذي كان لا يزال يعمل في باريس ويتعاون مع لجنة الطلبة المصريين التي أصبحت سكرتارية تساعد وتدعم حركة الوفد المصري في المفاوضات ـ بأن يستخدم فن النحت في تجسيد رمز لهذا الحدث المهم في تاريخنا "الثورة المصرية". وفي البداية صنع مختار نموذجًا لتمثال "نهضة مصر"، وكان هذا النموذج يصور رجلاً عربيًّا يرتدي عقالاً وفي يده سيف يستعد لرفعه، فقد كان هذا هو الشكل الأول الذي تصوره مختار لتمثال النهضة، لكن بعد أن انتهى منه قام بتحطيمه ولم يتبقَ منه غير صورة له نشرها الناقد المصري
الراحل جبرائيل بقطر في مقال له منشور ضمن كتيب صدر عام 1944 بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيل مختار.
وبعد أن حطم مختار نموذجه الأول لتمثال النهضة انتقل بعد ذلك إلى نحت نموذج جديد للتمثال، تمثال "نهضة مصر" بشكله الحالي الذي نعرفه جميعا. وقد غير فيه تمامًا الفكرة الأساسية التي كانت قائمة في التمثال الأول، فانتقل إلى اختيار نموذج مختلف يصور الفلاحة المصرية وتمثال أبي الهول الذي ينهض من كبوته أو من صمته. وكان النموذج الثاني للتمثال والذي عرضه مختار في باريس هو الذي حصل على شهادة تقدير من معرض الفنانين الفرنسيين، وفي هذا الوقت وصل سعد زغلول وزملائه إلى فرنسا للمشاركة كمراقبين في مؤتمر الصلح في باريس، وشاهد سعد زغلول التمثال وكتب كلمات إلى مختار يحيي فيها هذا العمل، وتقول هذه الكلمات:

"حضرة المصور الماهر مختار، شاهدت المثال الذي رمزت به لنهضة مصر فوجدته أبلغ رمز للحقيقة و أنهض حجة على صحتها، فأهنئك على هذا الخيال الواسع وهذا الذوق السليم وهذا الفن الساحر و أهنئ مصر أنك من أبنائها العاملين على إحياء حاضرها وأرجو أن تتم هذه النهضة حتى تبلُغ كمالها وتشفع تمثال النهضة بتمثال الاستقلال
والسلام."
سعد زغلول
باريس 9 مايو سنة 1920
هذه الرسالة وثيقة نادرة كتبها سعد زغلول تحية لمختار على تمثال "نهضة مصر".


الجمعة، 8 يونيو، 2007


صورة فوتوغرافية
لأول معرض لطلاب مدرسة الفنون الجميلة أقيم
سنة 1911 بنادي الأوتومبيل المصري
وفي يسار الصورة يظهر التمثال الذي نحته مختار لزميل دراسته الفنان محمد حسن



مختار في القاهرة




سنوات الدراسة ومدرسة الفنون



صورة فوتوغرافية نادرة من الأرشيف الخاص لمختار

الصورة لأستاذه بول فورشيلا أحد الأساتذة الأوائل

في مدرسة الفنون الجميلة بحي درب الجماميز

بالقاهرة





كانت الفترة التي انتقل فيها مختار إلى القاهرة تشهد صعودًا للحركة الوطنية بقيادة مصطفى كامل الذي أسس فيما بعد في عام 1907 الحزب الوطني في أعقاب حادثة دنشواي. وفي أعقاب وفاة مصطفى كامل في أوائل عام 1908، انتقلت زعامة الحركة الوطنية إلى محمد فريد، وفي هذا العام 1908 شهدت مصر حدثين تاريخين مهمين على المستوى الثقافي، وكانت لهما انعكاساتهما السياسية والاجتماعية: افتتاح الجامعة الأهلية المصرية في شهر ديسمبر، تلك الجامعة التي تأسست برعاية مجموعة من المفكرين والمثقفين وبعض أفراد الأسرة الخديوية الحاكمة، وكان منهم الأمير أحمد فؤاد (الملك فؤاد فيما بعد) وأخته الأميرة فاطمة إسماعيل التي تبرعت بأملاكها وأراضيها لإنشاء الجامعة المصرية والإنفاق عليها، أما الحدث الثاني والذي وقع قبلها بشهور، وعلى وجه التحديد في مايو من نفس العام، فكان إنشاء مدرسة الفنون الجميلة على يد الأمير يوسف كمال، لقد كانت محاولة جريئة لإنشاء أول مدرسة للفنون على غرار المدارس الفنية الأوروبية تعتمد على استقدام مجموعة من الفنانين الأوروبيين لتعليم الشباب المصري أصول الفن التشكيلي. وكان محمود مختار أول طالب يلتحق بهذه المدرسة يوم افتتاحها في مايو من عام 1908، كان أول طالب يقف على باب المدرسة في انتظار اجتياز امتحان القبول، وفي أثناء وقوفه على الباب رسم على الحائط رسمًا شاهده ناظر المدرسة فقبل مختار في المدرسة فورًا، وقد التحقت بالمدرسة مجموعة من فناني الجيل الأول من التشكيلين المصريين مثل راغب عيَّاد ويوسف كامل ومحمد حسن وغيرهم لكي تبدأ مسيرة جديدة في الفن المصري بعد ما كان الفنان المصري لا يمارس إلا الفنون التقليدية التي ورثها عن الأجداد منذ العصور الوسطى، لقد بدأت بافتتاح تلك المدرسة مرحلة جديدة من تاريخ النهضة الفنية في مصر.
وفي عام 1911، أقيم أول معرض لطلاب مدرسة الفنون في القاهرة، وكانت أغلب الأعمال أقرب للزخرفة، وكان هذا المعرض أول تقديم لجيل مختار للمجتمع المصري، ولأول مرة يقدم شبان مصريون أعمالهم التشكيلية من النحت والتصوير وغيرها من الأعمال الفنية في معرض عام يشاهده الجمهور بعد أن كانت كل الأعمال الفنية الحديثة الموجودة في ميادين القاهرة أو في منازل الأثرياء أو في المعارض القليلة التي تقام في صالات العرض من أعمال لفنانين أوروبيين
وكانت القاهرة قد عرفت تماثيل الميادين في الفترة الحديثة منذ فترة مبكرة في القرن التاسع عشر ـ وأقول الحديثة لأنه في العصور الوسطى كانت هناك تماثيل أيضًا على رؤوس الجسور والكباري والقناطر، وكان يُطلق على ميدان السيدة زينب اسم ميدان "قناطر السباع"، حيث كانت هناك قنطرة أو كوبري عليه تماثيل لأسود ـ أما في القرن التاسع عشر فقد بدأ استقدام نحاتين أوروبيين لنحت تماثيل لأفراد أسرة محمد علي، ومنها تمثال محمد علي وتمثال إسماعيل في الإسكندرية وتمثال إبراهيم باشا في القاهرة وتماثيل لكبار رجال الدولة مثل لاظوغلي ونوبار وسليمان باشا الفرنساوي، وكانت التماثيل جميعها من عمل فنانين أوروبيين، حتى تمثال الزعيم مصطفى كامل الذي أقيم عقب وفاته صنعه نحات أوروبي وليس نحاتا مصريا، وقد أقيم التمثال بأول اكتتاب يتم في مصر لإقامة تمثال، إلا أنه لم يكن اكتتابا شعبيا واسعا مثل الاكتتاب الذي تم لإقامة تمثال نهضة مصر، إنما كان اكتتابا داخل إطار الحزب الوطني وأنصاره.
وفي أعقاب إنهاء مختار لدراسته في عام 1911، خرج في أول بعثة مصرية لدراسة الفنون الجميلة في باريس بمنحة من الأمير يوسف كمال، وكما ذكر الدكتور مصطفى الرزاز في تقديمه أن مختار عندما ذهب إلى باريس أعاد اكتشاف نفسه مرة ثانية وأعاد اكتشاف مصريته ومن الممكن القول بأن أعمال المرحلة الأولى من الدراسة هي أعمال مدرسية طبق فيها مختار المعايير التقليدية التي تعلمها في مدرسة الفنون والمعايير الأوروبية التقليدية لفن النحت. لكن، عندما ذهب إلى باريس عرف الجانب الآخر، فقد أعاد النظر في فن النحت المصري القديم وأعاد صياغته مرة أخرى في لحظة من لحظات التمرد وتحطيم ثوابت الفن التشكيلي وثوابت المجتمع التي كانت سائدة في هذا الوقت.
وخلال دراسة مختار في باريس قامت الحرب العالمية الأولى وقام الإنجليز بعزل الخديوي عباس حلمي الثاني وتعيين حسين كامل سلطانًا على مصر، وأصبحت مصر رغمًا عنها طرفًا في عمليات عسكرية تدور على أرضها. وهكذا، أصبحت مصر ساحة لحرب لا علاقة لها بها، أما مختار فقد أصبح مقطوع الصلة بمصدر تمويله وكما ذكر الدكتور مصطفى الرزاز اضطر أن يكون عاملاً في مصنع للذخيرة، وكان يقوم بنقل الذخائر التي تصنع منها دانات المدافع، واضطرت اليد التي تصنع الفن والسلام أن تنقل أداة للتدمير والقتل. وبمجرد أن اقتربت الحرب من نهايتها وجد مختار فرصة له للعمل بمتحف للتماثيل الشمعية في باريس و هو متحف "جريفان" للشمع، وفي هذا الوقت كان كل الفنانين الشبان من الفرنسيين في جبهة القتال، فأصبحت هناك وظائف خالية للأجانب، وتولى مختار منصبًا مهمًّا في هذا المتحف، وهناك صورًا نادرة للتماثيل الشمعية التي صنعها مختار في متحف "جريفان" للشمع ومنها تمثال لأم كلثوم وآخر لراقصة البالية آنا بافلوفا.





محمود مختار

الميلاد وسنوات النشأة

عماد أبو غازي


بداية، سأحاول أن أقدم وجهة نظر ليست بالضرورة في الفن التشكيلي رغم أن الموضوع حول فنان تشكيلي، ولكنني سأحاول أن أجمع بين مجموعة من الأشياء بوصفي باحث في الوثائق والتاريخ، وفي الوقت نفسه كقريب لمحمود مختار مما مكنني من أن أرث مجموعة من وثائقه وأوراقه وصوره وتراثه بالإضافة إلى رؤيتي كشخص له اهتمام بالفن التشكيلي بدرجة أو بأخرى بحكم البيئة التي نشأت فيها. وسأحاول أن أمزج في المحاضرة بين أحداث الحياة السياسية والاجتماعية في مصر وبين أعمال محمود مختار.
يعتبر محمود مختار أحد رموز التحديث والاستنارة والنهضة في مصر في النصف الأول من القرن العشرين وواحد ممن قامت على أكتافهم دعائم عمليات التحديث ومحاولة بناء مصر الحديثة في أعقاب الثورة المصرية الكبرى ثورة 1919. في تقديري، لكي نتحدث عن النهضة أو عن التحديث لابد أن نتحدث عن التمرد بشكل أساسي، فالنهضة وليدة التمرد ولا يمكن أن تتحقق النهضة أو تقوم بدون أن يكون هناك جيل من المتمردين، المتمردين على أوضاعهم وعلى أوضاع مجتمعهم، وهذا ما تحقق لمصر في النصف الأول من القرن العشرين عندما ولد جيل شيد معالم نهضة جديدة في مصر وتميز معظم رجاله بالثورة والتمرد على التقاليد البالية وعلى الثوابت المجتمعية، لأن النهضة هدم لثوابت و بناء لثوابت جديدة مكانها.
ولو نظرنا إلى جميع رواد النهضة مثل طه حسين وهيكل والعقاد وتوفيق الحكيم ومختار وسيد درويش، فسنجد إن كل منهم كان متمردًا على الأشكال التقليدية في النوع الفني أو في المجال الإبداعي الذي برع فيه، كما أنه كان متمردًا أيضًا على قيم وتقاليد وثوابت المجتمع التي كانت تحتاج إلى تغيير. ولكي نعرف كيف تتولد لدى نخبة هذا الجيل المثقفة روح التمرد والثورة والرغبة في التغيير، فلابد أن نرجع إلى الظروف التي صاحبت مولدهم وتنشئتهم في أواخر القرن التاسع عشر. حيث شهدت مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر محاولة جديدة للنهضة بعد محاولة محمد علي التي انتهت بالفشل، وبدأت هذه المحاولة في عصر الخديوي إسماعيل، وامتدت إلى مجالات مختلفة في الثقافة وفي السياسة وفي مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ورغم أن تجربة التحديث في عصر إسماعيل انتهت هي الأخرى بالفشل بعد هزيمة الثورة العرابية والاحتلال البريطاني لمصر، إلا إنها أحدثت تحولات مهمة في الحياة المصرية، لقد شهدت تلك السنوات تغيير وجه الحياة المصرية، كانت المدينة المصرية تتغير وكذلك كانت القرية تتغير، كانت مصر تشهد حركة تحول من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث، تنشأ وتظهر فيه أشكال فنية جديدة لتحل محل الأشكال التقليدية، وهذه هي الفترة التي أُنشئت فيها دار الأوبرا المصرية في عهد الخديوي إسماعيل، والتي بدأت فيها فرق مسرحية من الشام تأتي لتعمل على المسارح المصرية، والتي بدأت فيها فنون النحت والتصوير الأوروبية تنتشر في المجتمع المصري حيث كان يقوم بمباشرتها فنانين أوروبيين أزاحوا تدريجيا الأشكال الفنية التقليدية التي كانت متواجدة في هذه الفترة.
لقد انتهت هذه المحاولة الثانية للنهضة بكبوة ثانية مع الاحتلال البريطاني لمصر. وبعد الاحتلال البريطاني كسرت محاولة النهضة الثانية في القرن التاسع عشر والتي بدأت في عهد الخديوي إسماعيل، وعاشت مصر في فترة ظلام مرة أخرى تحطمت فيها مشروعات النخبة المصرية للديمقراطية ولبناء مجتمع مستقل ودولة حديثة، وانتهى الأمر بنفي زعيم الثورة أحمد عرابي، وسيطرة الخديوي توفيق على مقاليد الأمور في ظل الاحتلال البريطاني.
وفي هذه الفترة المليئة بالتحولات، التي عاشت فيها مصر بين مد وجزر، بين نهوض وإخفاق، بين أحلام بناء مصر للمصريين وواقع سقوطها في قبضة الاحتلال، في ظلال هذه الفترة ولد معظم الرواد من جيل أبناء الجيل الذي قامت على أكتافه النهضة المصرية في حلقتها الثالثة في النصف الأول من القرن العشرين.
في سنوات الاحتلال الأولى ولد من أصبحوا فيما بعد رواد نهضتنا الحديثة، لكن تكوينهم المتمرد الساعي إلى التغيير تشكَّل في ظل محاولة جديدة للإحياء والنهوض والبعث الوطني بدأت بعد الرحيل المبكر للخديوي توفيق عام 1892، وتولى الخديوي عباس حلمي الثاني عرش مصر، وحاول وهو حاكم شاب أن يستعيد سلطاته من الاحتلال البريطاني، الأمر الذي دفعه إلى الاستعانة بالشباب الوطني الذي بدأ في الظهور في هذه الفترة بزعامة مصطفى كامل، كما دفعه لمحاولة الاصطدام مع المستعمر البريطاني مستندًا إلى بقايا الحركة الوطنية التي كانت موجودة في مصر.
في ظل هذا المناخ، ولد محمود مختار وولد أقرانه من أبناء الريف المصري الذين صنعوا النهضة، نشأ معظمهم في الريف ثم انتقلوا إلى المدينة في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين. في أوائل القرن العشرين، تحديدًا في عام 1901، انتقل مختار إلى القاهرة لاحقًا بأمه ربما في تمرده الأول الذي بدأ في طفولته المبكرة. فقد رفض مختار الحياة في القرية لأنه عندما كان يصنع التماثيل من الطين ويقوم بحرقها في فرن المنـزل كان أخواله يعتبرون أن ما يقوم به عبارة عن إهدار للوقت، وكانت أمه قد انتقلت إلى القاهرة للعلاج، فقرر مختار الذي كان طفلاً صغيرًا لا يتعدى عمره السنوات العشر أن يهرب من القرية وأن يذهب إلى القاهرة ليلحق بأمه التي كانت تخطط لإلحاقه بالأزهر لكي يتخرج شيخًا بعد أن يكون قد درس دراسة دينية، وكان هذا منتهى طموح أي أسرة ريفية متوسطة في هذا الوقت.

الأربعاء، 6 يونيو، 2007








قطعة نادرة وغير معروفة من النحت البارز المباشر في حجر الجرانيت الوردي للنحات المصري محمود مختار تمثل وجه إمرأة ترجع إلى منتصف العشرينيات من القرن الماضي
(محمود مختار 1891ـ1934)

الجمعة، 1 يونيو، 2007



مختار متمردا...
عماد أبو غازي
من المتمردين الذين شيدوا بناء نهضتنا في القرن الماضي محمود مختار رائد فن النحت الحديث في مصر، لقد ولد سنة 1891 في ريف الدلتا ونشأ فيه، ومنذ سني طفولته في قرية نشا بلدة أمه عرف التمرد عندما كان يذهب وهو طفل صغير إلى مقهى القرية ليستمع إلى حكايات الراوي الشعبي، ثم يهرب من الكتاب إلى الترعة ليصنع من الطين الموجود على ضفافها تماثيل تجسد شخصيات هذه الحكايات.
وعندما أكمل مختار عامه العاشر كان تمرده الثاني، فعندما كان يصنع التماثيل من الطين ويقوم بحرقها في فرن المنـزل كان أخواله يعتبرون أن ما يقوم به عبارة عن إهدار للوقت، وكانت أمه قد انتقلت إلى القاهرة للعلاج، فقرر مختار أن يهرب من القرية وأن يذهب إلى القاهرة ليلحق بها، وقد ساعده على رحلة الهرب شيخ متمرد من شيوخ قريته هو الشيخ محمد أبو غازي.
وفي الوقت الذي كانت أمه تخطط لإلحاقه بالأزهر لكي يتخرج شيخًا، وكان هذا منتهى طموح أي أسرة ريفية متوسطة حينئذ، أسس الأمير يوسف كمال مدرسة الفنون الجميلة، فكان مختار أول طالب يلتحق بها متمردا على أحلام أمه، ومتحديا أخوته من الأب الذين كان يعتبرون أنه لن يكون إلا نقاشا بشهادة، فأسقط مختار من يومها اسم أبيه ولقب أسرته من أسمه وأصبح منتسبا إلى نفسه الحرة دون غيره، أصبح محمود مختار فقط وهو اسمه المركب.
وكانت مصر في تلك الفترة تشهد صعودًا للحركة الوطنية التي اصطدمت بمحاولات الاحتلال والخديوي والحكومة لمصادرة الحريات العامة فخرجت المظاهرات في الشوارع، وانخرط مختار فيها، وفي إحداها شد ذيل فرس حكمدار القاهرة الإنجليزي، وأسقطه أرضا، فقبض عليه وفصل من المدرسة وكان قد أصبح واحدا من قادة الطلاب بها، يتزعمهم في المظاهرات ويقود حركتهم ضد تغيير اللوائح، ولولا إيمان أساتذته بموهبته لما قدر له أن يكمل دراسته.
وفي عام 1911، خرج في أول بعثة مصرية لدراسة الفنون الجميلة في باريس وهناك أعاد اكتشاف مصريته فتمرد على التقاليد الفنية التي تعلمها في مدرسة الفنون في القاهرة وفي باريس وصاغ أسلوبه الفني الخاص به، فقد أعاد النظر في فن النحت المصري القديم وأعاد صياغته مرة أخرى في لحظة من لحظات التمرد وتحطيم ثوابت الفن التشكيلي وثوابت المجتمع التي كانت سائدة في هذا الوقت.
وكان من القيم الأساسية التي وضعها مختار من خلال أعماله في مسيرته للتمرد على الثوابت التقليدية إعلاء قيمة المرأة وقيمة العمل، فإحدى القيم الأساسية في أعمال مختار قيمة المرأة وهي تعمل، وتحديدًا المرأة الفلاحة، كانت المرأة رمزًا في كل أعمال مختار الفنية، وعندما نحت تمثال نهضة مصر أختار الفلاحة المصرية رمزا للنهضة، فكان بذلك متمردا من الطراز الأول على ثوابت مجتمعه، لقد جعل تمثالا لبنت ريفية مصرية يحتل أهم ميدان في العاصمة، وقد أكمل مختار عمله في التمثال أواخر عام 1926، ولم يزح الستار عن التمثال إلا في 20 مايو 1928، والسبب هو أن الملك فؤاد كان يرى أن ما قام به مختار من اختيار الفلاحة المصرية رمزاً للنهضة هو تحدي لسلطة القصر، فحتى ذلك الوقت لم يكن هناك تمثال ميدان في مصر إلا تماثيل أفراد الأسرة الحاكمة أو كبار رجال الدولة مثل نوبار باشا ولاظ أوغلي وسليمان باشا الفرنساوي، وحتى تمثال الزعيم مصطفى كامل لم يُسمح بإخراجه إلى موقعه الحالي إلا بعدها بسنوات طويلة، فكان اختيار الفلاحة المصرية رمزًا لنهضة مصر تحديًّا للسلطة، والذي زاد من ضراوة هذا التحدي أن مختار وقد أصبح النحات الأول في مصر الذي تلتف الجماهير حول فنه لم ينحت تمثالاً واحدًا للملك فؤاد، وعندما وجه له بعض أصدقائه النصح بضرورة عمل بورتريه نصفي للملك حتى يرضيه، بدأ في إعداد التمثال فأبدى الملك ملاحظات فنيه عليه، فما كان من مختار إلا أن دمر التمثال تمامًا ولم يكمله ولا توجد له إلا صورة وحيدة في مرحلة التشكيل بالطين، وكل الأعمال الأخرى التي صنعها مختار لشخصيات كانوا من وجهة نظره يمثلون رموزًا للاستنارة، أو لبعض أصدقائه وصديقاته.
لقد كان مختار دائم التمرد على ثوابت هذا المجتمع وانقطع هذا التمرد برحيله في مارس عام 1934، لكن إذا كان مختار قد رحل وتوقف إنتاجه الفني، فإن رحلة التمرد مازالت في حاجة إلى متمردين جدد

الثلاثاء، 17 أبريل، 2007



ثومه ومختار
عماد أبو غازي

منذ أسابيع قليلة أثير موضوع زوج أم كلثوم والصحفي الكبير مصطفى أمين، يومها تذكرت واقعة مرت بي منذ عام تقريبا، عندما دخل عليّ في مكتبي صديقي الشاعر حسن خضر مبتسما كعادته، وقدم لي صفحة مصورة من مجلة قديمة عنوانها: "أم كلثوم تتزوج سبع مرات"، والمقال بتوقيع "حسن"، وأخبرني أن محرر المقال هو الأستاذ حسن رمزي، وقد وقع على المقال في عدد قديم من مجلة "الأستوديو"، التي كانت تصدر في الأربعينيات من القرن الماضي، والمقال كان منشورا في العدد 53 الصادر يوم الأربعاء 4 أغسطس 1948، وعندما لاحظ حسن خضر نظرات عيني تتساءل: "وما لي أنا ومال أم كلثوم اتجوزت سبع مرات وألا سبعين مرة؟" أسرع موضحا: الجواز الثالث يخصك. فسألت متعجبا: "يخصني أنا! ليه؟"، فقال لي: "أقرا وأنت تشوف". فقرأت:
"أما الزواج الثالث فكان للإشاعات نصيب كبير فيه، فقد لاحظ أصدقاء (ثومه) أن المثال المشهور المرحوم محمود مختار كان يكثر من التردد عليها والانفراد بها ساعات .. مما جعلهم يفسرون ذلك بأن مختار متزوج من أم كلثوم سرا، وقد راجت هذه الإشاعة فعلا، وكان الناس يصدقونها لولا أن أعلنت الحقيقة، وهي أن مختار كان يصنع لها تمثالا.. وقد انقطع عن الزيارة عندما انتهى من صنعه".

فهمت قصد الحسنان، حسن خضر الذي اعتبر الموضوع يخصني لأنه كانت هناك إشاعة زواج بين جدي وأم كلثوم، وحسن رمزي كاتب المقال حيث يشير إلى تمثال من الشمع صنعه مختار لأم كلثوم في مطلع العشرينيات ليوضع في متحف جريفان للتماثيل الشمعية بباريس، وكان مختار يعمل في ذلك الوقت مديرا فنيا للمتحف، وطلب منه أن يصنع تمثالا لشخصية تمثل الإبداع الفني في مصر، فاختار مختار أم كلثوم، وصنع لها تمثالا شمعيا وضع في إحدى قاعات المتحف إلى جانب تمثال راقصة البالية الروسية الشهيرة آنا بافلوفا، وهذه التماثيل دمرت للأسف أثناء الحرب العالمية الثانية، فعندما كنا نحتفل بالمئوية الأولى لميلاد مختار سنة 1991 أرسلنا للمتحف نطلب منهم معلومات عن مختار وتماثيله لديهم، فجاءنا الرد أن المتحف دمر بما فيه من أعمال وسجلات أثناء الحرب العالمية الثانية، فأرسلنا نحن لهم صورا لما لدينا من تماثيل وأوراق تخص فترة عمل مختار بمتحفهم.
ورغم أن مختار صنع تمثالا آخر لأم كلثوم، هو تمثال نصفي صغير لم يتبق منه سوى صورته، إلا أنني أعتقد أن القصة التي أشار إليها حسن رمزي في مقاله تتعلق بالتمثال الأول، تمثال متحف جريفان، فالتمثال الثاني مجهول المصير، ولا يعرف أحد إن كان مختار قد أكمله أم لا؟ والمصدر الوحيد لمعرفتنا بالتمثال الأخير هو صورة منشورة له وهو بعد منحوتا في الطين لم يصب، والصورة منشورة في كتاب بدر الدين أبو غازي عن مختار، وأذكر جيدا أن بدر الدين أبو غازي سأل السيدة أم كلثوم ذات مرة في منتصف الستينيات عن مصير هذا التمثال، فأبدت استغرابها التام وأخبرته أنها لا تعرف شيء على الإطلاق عن هذا التمثال! وإذا كانت أم كلثوم قد جلست أمام مختار ليصنع لها ذلك التمثال فلا شك في أنها كانت ستتذكره، وأعتقد أن مختار قد نحت التمثال من صورة فوتوغرافية لأم كلثوم، وهي صورة موجودة بالفعل في أوراقه الخاصة ترتدي فيها أم كلثوم عصبة رأس تماثل تمام تلك التي نحتها مختار في تمثاله لها.
دارت كل هذه الخواطر في ذهني ورويتها لحسن، وعندما عدت إلى المنزل في المساء أخذت أقلب في أوراق مختار الخاصة وكانت المفاجأة خطاب غير مؤرخ مرسل لمختار من صديقه الدكتور حافظ عفيفي (حافظ باشا عفيفي رئيس الديوان الملكي لاحقا)، الجزء الأكبر من الخطاب يدور حول أم كلثوم وعلاقتها بمختار وغضبه منها، يقول حافظ عفيفي في خطابه:

"عزيزي مختار
سرني ما قرأت من أخبارك في خطابك الأخير، وسرني أكثر من هذا أملك وأمل أساتذتك في نجاحك في المعرض القادم، وإني وجميع أصدقائك هنا نعتقد أنك جدير بالنجاح، فعليك بالعمل وسيكون هذا النجاح حليفك.
أخبرتني ثومه اليوم أنه لم يصلك منها خطابات وقد دهشت لهذا الخبر، أولا لأني كتبت لها بنفسي عنوانا لخطاب أرسلته لك، ولكني زالت دهشتي بعد ذلك إذ تذكرت أني أخطأت العنوان فقد كتبت على الظرف شارع بدلا من طريق، وقد وقعنا في هذا الخطأ في السياسة التي أرسلت لك في يوم سفرك بهذا العنوان حتى أرسلت لي خطابا تندهش من عدم وصول السياسة إليك فحققت المسألة بنفسي فاتضح لي هذا الخطأ، وعلى ذلك فلا لوم على سومه في هذا الموضوع، ولكن اللوم عليّ أنا، فإن كان لابد من الغضب بعد هذا البيان فاغضب مني لا من سومه، وكيف يمكن سومه أن تقصر في واجب الرد عليك وقد عملت لها ما عملت وتعترف بأفضالك في كل فرصة مع أنك تعرف إنها بخيله بتقديم التشكرات، حتى إنك كنت دائما تقول لها: هو المفروض بنقول إيه؟ إذا وجدت أنها قصرت في هذا الموضوع، وأني أؤكد لك أني لم أشعر بضرورة أن أقول لها ذلك فيما يختص بما تعمله أنت لها، فإنها دائما شاكرة مسرورة، والآن وقد صححت لها العنوان فلابد أن يصلك منها من الخطابات ما يعوض المدة الماضية..."
أما السطور القليلة الباقية من الخطاب فتدور حول موضوع خاص بعزيز المصري... وقد حاولت أن أعثر بين أوراق مختار الخاصة على الخطابات التى "تعوض المدة الماضية" أو أي خطابات من أم كلثوم فلم أجد للأسف! فهل توقفت أم كلثوم عن مراسلة مختار؟ أم تخلص مختار من تلك الخطابات لسبب أو لأخر؟ أم فقدت بين ما فقد من أوراقه؟ لا أملك إجابة إلى الآن...
بقيت نقطة أخيرة، وهي أن حسن رمزي قبل أن يختتم الحديث في موضوع زيجات أم كلثوم يذكر أن "في الأوساط السياسية إشاعة مؤداها أن هناك مشروع زواج بين أم كلثوم وبين صحفي كبير تربطه بها صلة صداقة وثيقة ويقول مطلقو هذه الإشاعة أن الزواج سيعلن عقب عودتها من الخارج وإبلالها من مرض عينيها. ونقول نحن أن هذه الإشاعة لا أساس لها من الصحة، وإن المسألة لا تخرج عن كونها صداقة متينة وإعجابا متبادلا.."

السبت، 14 أبريل، 2007