الجمعة، 8 يونيو، 2007




محمود مختار

الميلاد وسنوات النشأة

عماد أبو غازي


بداية، سأحاول أن أقدم وجهة نظر ليست بالضرورة في الفن التشكيلي رغم أن الموضوع حول فنان تشكيلي، ولكنني سأحاول أن أجمع بين مجموعة من الأشياء بوصفي باحث في الوثائق والتاريخ، وفي الوقت نفسه كقريب لمحمود مختار مما مكنني من أن أرث مجموعة من وثائقه وأوراقه وصوره وتراثه بالإضافة إلى رؤيتي كشخص له اهتمام بالفن التشكيلي بدرجة أو بأخرى بحكم البيئة التي نشأت فيها. وسأحاول أن أمزج في المحاضرة بين أحداث الحياة السياسية والاجتماعية في مصر وبين أعمال محمود مختار.
يعتبر محمود مختار أحد رموز التحديث والاستنارة والنهضة في مصر في النصف الأول من القرن العشرين وواحد ممن قامت على أكتافهم دعائم عمليات التحديث ومحاولة بناء مصر الحديثة في أعقاب الثورة المصرية الكبرى ثورة 1919. في تقديري، لكي نتحدث عن النهضة أو عن التحديث لابد أن نتحدث عن التمرد بشكل أساسي، فالنهضة وليدة التمرد ولا يمكن أن تتحقق النهضة أو تقوم بدون أن يكون هناك جيل من المتمردين، المتمردين على أوضاعهم وعلى أوضاع مجتمعهم، وهذا ما تحقق لمصر في النصف الأول من القرن العشرين عندما ولد جيل شيد معالم نهضة جديدة في مصر وتميز معظم رجاله بالثورة والتمرد على التقاليد البالية وعلى الثوابت المجتمعية، لأن النهضة هدم لثوابت و بناء لثوابت جديدة مكانها.
ولو نظرنا إلى جميع رواد النهضة مثل طه حسين وهيكل والعقاد وتوفيق الحكيم ومختار وسيد درويش، فسنجد إن كل منهم كان متمردًا على الأشكال التقليدية في النوع الفني أو في المجال الإبداعي الذي برع فيه، كما أنه كان متمردًا أيضًا على قيم وتقاليد وثوابت المجتمع التي كانت تحتاج إلى تغيير. ولكي نعرف كيف تتولد لدى نخبة هذا الجيل المثقفة روح التمرد والثورة والرغبة في التغيير، فلابد أن نرجع إلى الظروف التي صاحبت مولدهم وتنشئتهم في أواخر القرن التاسع عشر. حيث شهدت مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر محاولة جديدة للنهضة بعد محاولة محمد علي التي انتهت بالفشل، وبدأت هذه المحاولة في عصر الخديوي إسماعيل، وامتدت إلى مجالات مختلفة في الثقافة وفي السياسة وفي مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ورغم أن تجربة التحديث في عصر إسماعيل انتهت هي الأخرى بالفشل بعد هزيمة الثورة العرابية والاحتلال البريطاني لمصر، إلا إنها أحدثت تحولات مهمة في الحياة المصرية، لقد شهدت تلك السنوات تغيير وجه الحياة المصرية، كانت المدينة المصرية تتغير وكذلك كانت القرية تتغير، كانت مصر تشهد حركة تحول من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث، تنشأ وتظهر فيه أشكال فنية جديدة لتحل محل الأشكال التقليدية، وهذه هي الفترة التي أُنشئت فيها دار الأوبرا المصرية في عهد الخديوي إسماعيل، والتي بدأت فيها فرق مسرحية من الشام تأتي لتعمل على المسارح المصرية، والتي بدأت فيها فنون النحت والتصوير الأوروبية تنتشر في المجتمع المصري حيث كان يقوم بمباشرتها فنانين أوروبيين أزاحوا تدريجيا الأشكال الفنية التقليدية التي كانت متواجدة في هذه الفترة.
لقد انتهت هذه المحاولة الثانية للنهضة بكبوة ثانية مع الاحتلال البريطاني لمصر. وبعد الاحتلال البريطاني كسرت محاولة النهضة الثانية في القرن التاسع عشر والتي بدأت في عهد الخديوي إسماعيل، وعاشت مصر في فترة ظلام مرة أخرى تحطمت فيها مشروعات النخبة المصرية للديمقراطية ولبناء مجتمع مستقل ودولة حديثة، وانتهى الأمر بنفي زعيم الثورة أحمد عرابي، وسيطرة الخديوي توفيق على مقاليد الأمور في ظل الاحتلال البريطاني.
وفي هذه الفترة المليئة بالتحولات، التي عاشت فيها مصر بين مد وجزر، بين نهوض وإخفاق، بين أحلام بناء مصر للمصريين وواقع سقوطها في قبضة الاحتلال، في ظلال هذه الفترة ولد معظم الرواد من جيل أبناء الجيل الذي قامت على أكتافه النهضة المصرية في حلقتها الثالثة في النصف الأول من القرن العشرين.
في سنوات الاحتلال الأولى ولد من أصبحوا فيما بعد رواد نهضتنا الحديثة، لكن تكوينهم المتمرد الساعي إلى التغيير تشكَّل في ظل محاولة جديدة للإحياء والنهوض والبعث الوطني بدأت بعد الرحيل المبكر للخديوي توفيق عام 1892، وتولى الخديوي عباس حلمي الثاني عرش مصر، وحاول وهو حاكم شاب أن يستعيد سلطاته من الاحتلال البريطاني، الأمر الذي دفعه إلى الاستعانة بالشباب الوطني الذي بدأ في الظهور في هذه الفترة بزعامة مصطفى كامل، كما دفعه لمحاولة الاصطدام مع المستعمر البريطاني مستندًا إلى بقايا الحركة الوطنية التي كانت موجودة في مصر.
في ظل هذا المناخ، ولد محمود مختار وولد أقرانه من أبناء الريف المصري الذين صنعوا النهضة، نشأ معظمهم في الريف ثم انتقلوا إلى المدينة في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين. في أوائل القرن العشرين، تحديدًا في عام 1901، انتقل مختار إلى القاهرة لاحقًا بأمه ربما في تمرده الأول الذي بدأ في طفولته المبكرة. فقد رفض مختار الحياة في القرية لأنه عندما كان يصنع التماثيل من الطين ويقوم بحرقها في فرن المنـزل كان أخواله يعتبرون أن ما يقوم به عبارة عن إهدار للوقت، وكانت أمه قد انتقلت إلى القاهرة للعلاج، فقرر مختار الذي كان طفلاً صغيرًا لا يتعدى عمره السنوات العشر أن يهرب من القرية وأن يذهب إلى القاهرة ليلحق بأمه التي كانت تخطط لإلحاقه بالأزهر لكي يتخرج شيخًا بعد أن يكون قد درس دراسة دينية، وكان هذا منتهى طموح أي أسرة ريفية متوسطة في هذا الوقت.

ليست هناك تعليقات: